غياب الأب وأثره في تطور شخصية الطفل

 

د. محمد زياد حمدان

1981

 

 

مقدمة

    أصبح غياب الأب في ظل الأحوال العامة التي يعيشها المجتمع العربي, وما تعصف بالأسرة من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية وحروب, ظاهرة خطرة وحساسة ليس فقط على كيان الأسرة الظاهري بل فيما تحدثه من آثار سلبية في نمو أفرادها وتطور شخصياتهم.

    ويُقصد بغياب الأب هنا أي حالة يكون الوالد فيها بعيداً عن أسرته مؤقتاً كحالات الخدمة العسكرية والأعمال التجارية والوظيفية وانفصال الزوجين (الهجر) والحجر أو السجن،، أو بشكل دائم كحالات الطلاق أو الموت. كذلك أن حالات تعدد الزوجات في مجتمعنا العربي وما تجره من بُعد أو غياب دائم أو شبه دائم للأب عن أسرته, تشكل حالة خطرة ليس فقط على الاستقرار والروتين الأسري العام , بل على علاقات أعضاء الأسرة  بعضهم ببعض وعلى نموهم الشخصي والقيمي.

غياب الأب وتطوّر رجولة الطفل

    يُعطى الطفل مع مولده وحسب خصائص جسمية أولية سمات وصفات ذكرية. ويبادر المجتمع من ذلك الحين بزرع ميول وحوافز ورغبات ومهارات مناسبة لتلك العضوية. ويبدأ الطفل نتيجة لكل هذا خلال السنين الأولى من عمره بتطوير آليات وخصائص سلوكه الذكري بواسطة الملاحظة والتقليد المباشر لنماذج سلوكية وحركية من الأفراد حوله, معتبراً أباه في الظروف العادية نموذجاً رئيساً لسلوكه الرجولي.

    وإذا حُرم الطفل من هذا النموذج الأبوي مؤقتاً أو بشكل دائم, فقد يعتري فرص الملاحظة والنسخ والتقليد بعض التقطع حيث يضطر عندها لأن ينظر إلى أمه كنموذج لسلوكه وحياته, وربما يتحول إلى آخرين غرباء لينقل عنهم اجتهاداً ما قد يكون صحيحاً أو خطأ،، ولكلتا الحالتين عوارض سلبية.

    ومهما يكن, فقد أفاد بعض علماء النفس بأن أخطر وقت لغياب الأب يمكن أن يمر بها الطفل تتمثل في الاثنتي عشرة سنة الأولى من عمره. يعتمد الطفل خلال هذه المدة حسب جان بياجية على الأشياء الحسية لفهم الواقع الذي يعيش فيه والموجودات حوله. ويبدأ هذا الاعتماد على المحسوسات وخبراتها بشكل مطلق مع مولد الطفل وينحسر تدريجياً حتى عمر الثانية عشرة، حيث يبدأ فكره النظري التأملي المستقل.

    والجدير بالذكر أنه كلما تكون هذه المرحلة من عمر الطفل مستقرة أسرياً وطبيعية التركيب البيئي والاجتماعي, بقدر ما تتحدد وبشكل إيجابي أساليبه الفكرية الإدراكية وأنواع سلوكه الشخصي بشكل عام, وسلوكه الرجولي بوجه خاص. ولما كان الأب في الأحوال العادية للأسرة العربية يمثل أهم عنصر في هذا التركيب البيئي والاجتماعي, فإنه يجسد بالتالي العامل الرئيسي المؤثر في تقرير أو بلورة الأنماط السلوكية لابنه.

    وللتحّقق من أثر غياب الأب في تطور رجولة الطفل في الحياة الواقعية العملية، قام العديد من العلماء بإجراء دراسات ميدانية على مجموعات متنوعة من الأطفال ذوي الأب الغائب. أعطت العالمة الأمريكية سيرز على سبيل المثال مجموعتين من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 3- 5 سنوات عدداً من الدمى فكان الأطفال ذوو الأب الغائب أقل شجاعة وسلوكاً مغامراً من أولئك ذوي الأب الموجود، كما أبدوا سلوكاً ذكرياً واختاروا دمى ذكرية الصفات أقل من أقرانهم ذوي الأب المتواجد.

    وجد باخ أيضاً في دراسته بأن مجموعة الأطفال ذوي الأب الغائب قد أبدت تصوراً أنثوياً للأب وسلوكه بالمقارنة بالمجموعة الثانية ( ذي الأب الموجود ) التي أبدى أفرادها انطباعات رجولية ومغامرة له. وتوصل ستولس وزملاؤه إلى نتائج مشابهة بخصوص عدم توافر السلوك الشجاع أو المغامر لدى الأطفال ذوي الأب الغائب, عندما وجدوا أن مثل هؤلاء إما مذعنين أو مترددين في سلوكهم أو علاقاتهم مع أقرانهم, أو كانت ردود فعلهم لأقرانهم عموماً غير ناضجة أو صبيانية.

 أما هيثرينجتون فلم يجد فقط بأن الأطفال ذوي الأب الغائب أقل رغبة من المبادرة أو المغامرة،،  بل كانوا أيضاً أكثر اعتماداً على غيرهم وأقل اندماجاً في الألعاب أو الرياضيات الجسمية.

 لم يكتف العلماء بكشف أثر غياب الأب بعينه في تطور رجولة الطفل بل درسوا أيضاً تلك الحالات التي يكون الأب فيها حاضراً ولكنه غير مؤثر.  أي عندما يكون الأب منعزلاً ضعيف الشخصية ليس له كلمة مسموعة في البيت, مع كون الأم مصدر القرارات والمبادرات التي تخص مصير الأسرة. ولاحظوا في هذا المجال أن مثل هذا الأب يؤثر سلباً في رجولة الطفل.

ولم تنحصر الآثار السيئة المترتبة عن غياب الأب على تطور صفات بحتة غير رجولية كالإذعان والاعتمادية على الغير والتخنث , بل تعدها إلى تطور أنواع أخرى من السلوك غير الاجتماعي غير الرجولي كالخشونة أو الفظاظة في المعاملة والانتماء إلى عصابات الأشقياء وعقدة أوديب وعادة الشذوذ الجنسي ( اللواط ).

كتب باركلي وآخرون بأن تأكيد الطفل ذي الأب الغائب على الرجولة وكفاحه من أجل التمثل بشخصية أبيه،، يقوده إلى الانضمام إلى عصابات منحرفة عن القانون أو على الأقل يحفز لديه سـلوكاً – متميزاً – بالخشونة غير المقبولة اجتماعيا.

 أما بخصوص عقدة أوديب والعادة اللواطية،،  فقد أفاد فرويد بأن الطفل يبدأ باعتبار أبيه وهو في سن الثالثة كمنافس له ويعارض مشاركته عاطفة أمه ولفت انتباهها، ولكن مع مرور الوقت يتحقق الطفل بسلطة أبيه المتفوقة في البيت فيميل تدريجياً إلى تقبلها وتطوير علاقات إيجابية معه , محاولاً اكتساب بعض صفاته ومزاياه وقواه الشخصية.

ويجدر التـأكيد هنا بأنه في الأحوال العادية لنمو الطفل تتلاشى المُسبّبات المكونة لعقدة أوديب،،  وتفقد مفعولها فيطور الطفل عندئذ علاقات موضوعية مع أمه متخلياً عن رغباته الجنسية تجاهها , ومتطلعاً إليها في الوقت نفسه كنموذج جنسي مغاير يقيس على غراره خصائص شريكة حياته المقبلة وصفاتها.

تركز نظرية عقدة أوديب إذا ً على أهمية علاقة الطفل العاطفية بوالديه والتي من خلالها يطور ديناميات لضبط غرائزه العدوانية والجنسية،،  ويُذوّت لديه أنواعاً مقبولة من السلوك أو التصرف العام.

وعليه إذا ما إفتقد الطفل أباه في البيت فإن التوازن في نموه الجنسي قد يتخلخل،،  مظهراَ ذلك في بعض الأحيان على هيئة عقدة أوديب.

وبالنسبة لعادات الشذوذ الجنسي أشار فرويد على أن عدم وجود أب ودود قوي الصفات قد يمهد الطريق لتطور مثل هذه العادات. وقد قام بعض العلماء بدراسات ميدانية بهذا الصدد للتحقق من صحة الآراء الفرويدية , مشيرين إلى أن عدم توافر الأب كنموذج لابنه ولسواء العلاقة بينما , يدفع الطفل في الغالب لأن يشعر بعلاقة قوية أكثر مودة أو التصاقا بأمه مما يزيد من فرص تطوير سلوك جنسي أنثوي لديه.

غياب الأب وتطور سلوك الطفل الاجتماعي

يُجسّد الأب في الأسرة نظام التعامل العام المتعارف عليه في المجتمع حيث أن عملية الأخذ والعطاء وصنع القرارات المتعلقة بمصير الأسرة التي يقوم بها الأب عادة , وسلوكه في العمل والشارع والحياة العامة , لتمثل كلها نماذج محسوسة للطفل أثناء عملية بلورة سلوكه الفردي وتكوين معالم شخصيته الاجتماعية. إن غياب هذا الأب إذاً عن الأسرة لسبب من الأسباب التي نوهنا اليها آنفاً،، يحرم الطفل من هذه الفرص المباشرة لتنمية سلوكه الاجتماعي وصقله.

وأفادت دراسات علم النفس في هذا المجال بأن الطفل ذا الأب الغائب، يواجه فعلياً صعوبة كبيرة في عملية تطور سلوكه الاجتماعي العام. وجد جولدستابين مثلاً أن أطفال هذا النوع أقل استقلالية وأضعف قدرة ذاتية على ضبط سلوكهم الفردي. وأضاف آخرون بأن غياب الأب كان سبباً في وجود مشاكل سلوكية وخلقية لدى بعض الأطفال , بحيث تميز سلوك هؤلاء العام بالفجاجة ( عدم النضج ) والعصبية والانحراف،،  وإن ثقتهم بغيرهم من الأطفال كانت غالباً متزعزعة أو ضعيفة ربما لتعودهم خلال غياب الأب أن يثقوا بالكبار من النساء دون الرجال.

أما بخصوص تنظيم الوقت , فقد وجد ميلر في دراسته الميدانية،  بأن مهارة التوقيت في الحياة اليومية كانت ضعيفة وفقيرة لدى الأطفال ذوي الأب الغائب بالمقارنة بذوي الأب الموجود،،  وأنهم تميزوا أيضاً بعادات عمل سيئة أو غير نظامية. واكتشف بيكون كذلك شيئاً آخر هو وجود علاقة بين حالات غياب الأب وارتفاع نسبة ارتكاب السرقة أو الجريمة من قبل الأفراد في بعض المجتمعات العالمية.

والتفتت دراسات أخرى إلى أنواع إضافية من السلوك الاجتماعي لدى الأطفال ذوي الأب الغائب تبدو في صعوبة حادة في تكوين صداقات أو روابط مع أقرانهم.  وحتى في حالة تكوين مثل هذه الصداقات، فإنها غالباً ما تتلاشى لأتفه الأسباب. فَسّر البعض هذه الظاهرة بأن ثورة الغضب التي تنجم عن فقدان الأب، قد تنمو في الغالب لدى الطفل وتنتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الآخرين كالمعارف والأصدقاء مثلاً. ولاحظ فريق آخر من الباحثين بأن غياب الأب قد يزيد من القلق النفسي والاضطراب العاطفي لدى الأطفال كما أن هناك ارتباطاً بينه وبين بعض حالات الانتحار والشعور بخيبة الأمل بوجه عام.

غياب الأب وتطور أسلوب الطفل الإدراكي

لقد تنوعت دراسات علم النفس في هذا المجال واختلفت في نتائجها. فمنها من خلص إلى القول بأن التحصيل العلمي للأطفال ذوي الأب الغائب أقل وأكثر تدنياًَ في الغالب من ذلك لأقرانهم ذوي الأب الموجود،،  وأن هؤلاء  ( الأطفال ذوي الأب الغائب ) يعانون في العادة من تخلف عقلي.

أما آخرون فقد ناقضوا الدراسات السابقة مفيدين بوجود علاقة إيجابية بين غياب الأب وتطور مهارات الطفل الإدراكية.  فقد اكتشف كارلسميث على سبيل المثال ارتباطاً إيجابياً بين قدرة الفرد في المواد الأكاديمية اللفظية كاللغات وغياب الأب , وأن هذه النتائج التي أشار إليها كارلسميث أثبتها أيضاً غيره من الباحثين: بأن هناك علاقة بين حالات غياب الأب وما تسببه من اضطرابات نفسية وعقلية وصفات الذكاء المتميز لبعض الأفراد.

درس براون مثلاً نفراً من مشاهير الكتاب فوجد أن 55 0/0 من هؤلاء قد فقدوا والدهم قبل سن الخامسة عشرة. ووجد بيرون ومارتنديل أيضاً بأن نسبة غير قليلة من الحالات التي درسها في هذا المجال تشير إلى أن أصحابها قد خبروا قلقاً واضطرابات نفسية , وإن 30 0/0 منهم عاشوا مُدداً مختلفة كان فيها الأب بعيداً عن البيت. ومهما يكن من أمر، فإنه يمكننا التعميم على المستوى العادي للأفراد ( لا مشاهير الكتاب والعباقرة ) بأن غياب الأب عن البيت وما يعقبه من ضعف في الحالة المعيشية للأسرة وما بنجم عنه من عدم استقرار نفسي لأفرادها،، يؤدي في الغالب إلى ضعف في القدرة الفردية على التفكير أو التركيز الذهني , مما ينعكس بالتالي على نوع التحصيل العلمي ومستواه لديهم.

خاتمة

أشارت معظم دراسات علم النفس إلى وجود أثر سلبي لغياب الأب في تطور شخصية الطفل. ويظهر لنا هذا الأثر السلبي على هيئة نمو غير طبيعي لقدرات الفرد الرجولية والجنسية والاجتماعية والفكرية وعاداته السلوكية اليومية. وبهذا فمن المفيد هنا أن نوصي الآباء الذين يعددون زوجاتهم لهوى نفسي أو غريزي،، ( مخالفين بذلك ليس فقط أعراف المجتمع الروحية، بل أبسط المبادئ القيمية التي يقوم عليها خلق الفرد وتعامل الإنسان مع أخيه ( أو ابنه ) الإنسان )،،  الكف عن التعداد وخاصة عند عدم توافر مسببات شرعية أو قاهرة تدعو إليه. كما نوصي الآباء عموماً إلى تكريس أقصى ما يستطيعون من وقتهم للتوافر في البيت والتفاعل البناء مع أطفالهم.

    أما الأسر المقهورة على أمرها والتي غاب عنها الأب نتيجة حرب أو موت أو تسلط خارجي أو غير ذلك من أسباب لا إرادية،، فإننا نوصي أفرادها بالتعاون والمحبة والتفهم لعلاقاتهم ومسؤولياتهم الاجتماعية والحياتية. كما أن وجود الأم المتبصرة الواعية – القادرة على تسخير كل الطاقات لتربية أطفالها إيجابياً , والتي تأخذ على عاتقها مسؤوليات الأب والأم معاً بقليل من التعارض أو التناقض،، والماهرة في مجالات التعامل الإنساني والاجتماعي،،, الأم التي تملك ميولاً إيجابية نحو غياب الأب بخاصة , والرجال بوجه عام , والتي تشجع باستمرار السلوك والصفات الرجولية في أطفالها – مثل هذه الأم هي قادرة حقاً على تعويض أطفالها غياب والدهم , وتزويدهم بسبل التكيف الغنية والنمو الكامل لشخصياتهم بدونه إن اقتضى الأمر( تم تحديثه من الأصل: غياب الأب وأثره في تطور شخصية الطفل. مجلة/ المعلم العربي. دمشق: وزارة التربية السورية. العدد 3 ، أيلول 1981 ، ص 18- 25، تحتوي الدراسة على 40 مرجعاً).

 

 

* *  *  * *

 

 

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان