ثقافة المجتمع

آليات نموها وتضميناتها للمدرسة والمنهج

الدكتور محمد زياد حمدان

1983

 

 

المقدمة

الثقافة هي مجموع ما يُميّز فئة من الناس من أساليب فكر وعادات ومُثل وقيم ودين وفنون ومهارات ورياضات وقصص شعبية وأبطال وموسيقى وأنظمة أسرية وإدارية واقتصادية , ووسائل مواصلات وإتصالات، وأدوات عيش وعمران.

والثقافة بهذا المفهوم الشامل تصنع شخصية الإنسان المحلي، وتوجه أهداف وأساليب حياته، وتحفظ له استمراره العرقي، واستقراره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والنفسي. وهي كالجهاز العصبي للإنسان, إذا اعتراها تقطع أو تخلخل ما, فقد يعتري المجتمع بكامله حالة من الفوضى والتفسخ والانحلال.

وفي هذه الدراسة نتعرف على مكونات الثقافة بوجه عام, ونستطلع بعض المظاهر والخصائص المميزة لثقافتنا العربية المعاصرة, نلج بعدئذ لأثر الثقافة في شخصية الواحد منا ومراحل تعلمها من قبله, ثم نوع العلاقات التي تربط كلاً من الثقافة والمدرسة والمنهج.

الثقافة – مكوناتها وتأثيرها ومراحل تعلمها

1- مكونات الثقافة

تتكون ثقافة أي مجتمع بالنسبة لأهميتها ودرجة تبنيها من أفراده, من ثلاثة أنواع مميزة من العناصرهي:

* العموميات Commons: وهي مجموع العادات والأنظمة والأساليب والأدوات السائدة التي يمارسها معظم أفراد المجتمع. كأنواع الطعام المحلية , واللباس الوطني، واللغة وأساليب تحية ومخاطبة الأفراد بعضهم لبعض، والمعتقدات والممارسات الدينية , وأحكام السلوك السوي، والتأدّب العام والأنظمة السياسية والاقتصادية والقيمية العامة المتبعة.

* الخصوصيات Specialties: وهي مجموع العادات والقيم والأنظمة والأساليب التي يختص بها حزب أو فئة أو طبقة محددة في المجتمع, وتعمل على ممارستها بشكل واضح دون غيرها من الطبقات الاجتماعية الأخرى. كالعادات والتقاليد المهنية وأساليب التعامل الاجتماعي والقيم الخاصة للأطباء, وأدوات وطرائق العيش التي تميز حياة طبقة اجتماعية بعينها مثل الأثرياء, والمعتقدات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية الخاصة لفئة او مجموعة معروفة من الناس.

* البدائل / المتغيرات Alternatives: وهي العناصر الثقافية التي لا تنتمي إلى الخصوصيات أو العموميات،، ويأتي بها الأفراد عادة أو يتبنونها نتيجة تعاملهم مع ثقافات الأمم الأخرى أو أسفارهم أو نتيجة تكفيرهم وابتكارهم الخاص، كبدائل لأخرى مماثلة لما في ثقافتهم المحلية,  مثل: أنواع الطعام الجديدة على عامة الناس, والأعمال الأدبية الأجنبية التي يقرؤها الأفراد كل حسب رغبته وخلفيته التربوية والاجتماعية والاقتصادية، واللباس المختلف عن قرينه الوطني العام, والموسيقى ووسائل الترفيه غير المحلية السائدة...

ومهما يكن من أمر العناصر الثقافية أعلاه، فإن أمرين هامين يحسن تأكيدهما:

أولاً: إن أي ثقافة تُعرف وتُميّز عادة بواسطة عمومياتها وخصوصياتها.

ثانياً: أن أسلوب النمو الثقافي أو اتجاهه يحدث كالتالي: تتحوّل البدائل بعد ممارستها لمدة كافية من بعض الأفراد إلى خصوصيات تميز طبقة أو فئة محددة في المجتمع. ومع مرور الوقت, يتبنى معظم الناس بعض الخصوصيات فتصبح عموميات يتفقون على صلاحيتها العامة, ويمارسونها في حياتهم اليومية.

ونتيجة لهذا تنحسر ممارسة بعض العموميات لدرجة تكون معها مختصة بفئة معينة.. وتتحول بعض الخصوصيات أيضاً إلى بدائل تروق لبعض الأفراد, حيث هي الأخرى تميل تدريجياً إلى التلاشي والاندثار بسبب تخلي هؤلاء الأفراد عنها مع الزمن.

2- نماذج محسوسة لتحوّل بعض عناصر الثقافة العربية.

تميل كل ثقافة مهما كانت درجة استقرارها إلى التحوّل والنمو نتيجة اتصالها وتفاعلها مع الثقافات الأخرى. نعرض من خلال الجدول التالي بعض العناصر التي دخلت الثقافة العربية كبدائل فأصبحت بعد مدة وممارسات مختلفة, خصوصيات وعموميات اجتماعية.

 

العنصر

التوضيح

نموذج/ مرحلة التحويل

نوع التحول

الصدق

استبدلت هذه القيمة العامة البناءة مع الزمن بأخرى سلبية هي الكذب والتلون

1   2    3

سلبي ومدمر جداً

النخوة ومساعدة الغير

تنحصر ممارسة النخوة ومساعدة الغير – بعد أن كانت عامة وشاملة – في تحقيق مصلحة أو منفعة فردية لصاحبها

1   2    3

سلبي ومدمر جداً

الرجولة والشجاعة

تحول مفهومها من مواجهة الأخطار والتغلب عليها إلى الاتقاء منها ومداراة مصادرها , سواء كانت هذه الرجولة والشجاعة في الرأي أو الحرب أو الخلق أو العمل أو المعاملة.

1   2    3

سلبي ومدمر جداً

اللغة العربية

لقد دخل اللحن والمصطلحات الأجنبية نتيجة فتوح العرب وأسفارهم منذ عهد الدولة الأموية على اللغة العربية, فأصبحت ممارستها النقية منحصرة على جماعة اللغة وأفرادها المتخصصين عموما

1   2    3

سلبي غالباً

 

التقوى

كانت القيم الدينية وممارساتها عامة شاملة للمجتمع فوصل بها قوة وانتشاراً لحدود فرنسا الاسبانية في الغرب وإلى الصين في الشرق. أما الآن فقد اختصت بها فئة أو مجموعة من الناس أو هيئة سياسية محددة.

1   2    3

سلبي ومدمر جداً

العلاقات الأسرية

لقد ضعفت الارتباطات الأسرية والقبلية بسبب طغيان المادة وحب المصالح الفردية لدرجة أصبح معها الأخ يحارب أخاه , ويتآمر القريب على قريبه أو ابن جنسه لأتفه الأسباب أو المصالح أو المعتقدات.

1   2    3

سلبي غالباً

الزواج

تغير مفهوم الزواج من القريبة أو القريب إلى ما دونهما من الغير

1   2    3

إيجابي غالباً

تحريم الاختلاط بين الجنسين

 

تحول هذا المفهوم الاجتماعي من التحريم المطلق إلى آخر موجه نسبياً من الأسرة وخاصة بين اليافعين والشباب.

1   2

سلبي أو إيجابي حسب مقدار الإنضباط الذاتي للشباب

وسائل العيش

( الرعي والزراعة )

 تحولت وسائل العيش من الرعي والزراعة الى التجارة والصناعة والوظيفة او المهنة.

1   2

إيجابي نسبيا حسب الحاجة الفردية/ البيئية

وسائل الترفيه الشعبية

لقد تحولت وسائل الترفيه الشعبية كالألعاب والحفلات العامة والشطرنج والورق والمبارزة والسباحة وسباق الخيل والإبل إلى السيارة والفضائيات والكمبيوتر والانترنت والسينما والرقص...

1   2    3

إيجابي او سلبي حسب طبيعة غرض الاستعمال

وسائل التنقل الشعبية

تخلى الإنسان العربي عن وسائل التنقل الشعبية التي تعتمد على الحيوان لأخرى كالسيارة والقطار والطائرة والسفينة

1   2    3

إيجابي غالباً

تقييم المادة

بعد أن كان الإنسان العربي روحانياً إيثارياً في طبعه، أصبح هذه الأيام مادياً تهمه أولاً الممتلكات المادية كالعقارات والفلوس وغيرها.

3   2    1

سلبي مدمر غالباً

وسائل الزراعية الحديثة

تحولت وسائل الزراعة التقليدية التي تعتمد على الحيوان إلى آلية متقدمة

3    21   

إيجابي غالبا

الأعمال الأدبية العربية

لقد كان السواد الأعظم من المجتمع العربي يعيش الأعمال الأدبية المحلية فكراً وعاطفة وممارسة أما الآن فالأعمال الأدبية الأجنبية تنافسها في الاهتمام والممارسة.

1   2

سلبي أو إيجابي يرتبط بغرض التحول

الأعمال الأدبية

بدأت الأعمال الأدبية الأجنبية كالقصة والعشر تجذب اهتمام الإنسان العربي لدرجة ملحوظة.

3    2

سلبي أو إيجابي يرتبط بغرض التحول

الموسقى العربية

إن حال الموسيقى العربية مع الموسيقى الغربية يشبه حال الأعمال الأدبية العربية مع الأجنبية.

1     2

كالسابق

الموسقى الأجنبية

إن الاهتمام بالموسيقى الأجنبية الغربية أصبح ملحوظاً لدرجة تنافس معها الموسيقى العربية المحلية.

3     2

1

سلبي غالباً

الفكر السياسي

بعد أن كان المجتمع منتجا حيويا , أصبح بيئة خصبة للتيارات الفكرية "الغثة أو السمينة".

3     2

1

سلبي مدمر غالباً

شرب المسكرات

لقد لوحظ إقبال الناس على شرب المسكرات , حتى أصبح لديهم عادة أو شبه عادة , سرية أو مرخصة

3     2

 -      1

سلبي مدمر غالباً

 

تشير الأرقام والأسهم إلى ما يلي:

1- العموميات: 1 عامة                

2- الخصوصيات: 2خاصة           

3- البدائل: 3 جديدة او مستحدثة

* الصدق كمثال توضيحي. إن الصدق مهما تكن عواقبه – كان عادة عامة في المجتمع(1) ثم تحوّل مع الزمن ليصبح خاصاً بطبقة محددة فيه كالمثقفين مثلاً (2), وانحسر حتى أصبح يمارس كعادة من قبل أفراد متفرقين هنا وهناك (3).

 

3- خصائص مميزة للثقافة العربية المحلية:

بالرغم من بعض التحول السلبي الذي يعتري الثقافة العربية كما تشير الفقرة السابقة رقم 2 , إلا أنها ما زالت راسخة أصيلة نسبياً في شكلها وجوهرها العام, وذلك لخصائصها المميزة التالية:

* إن المعتقد  لا يزال بالقوانين والدساتير الرسمية، يجسد آلية الحياة والشخصية المحلية, ويوجه نمو ثقافتها, حيث يزود المجتمع باستمرار بالمعايير الضرورية للتعامل والعمل والتغيير والتصحيح.

* إن الإنسان العربي لا يزال فخوراً بأصله وثقافته, وغير ميال للتخلي عن عاداته وتقاليده وقيمه ونظم معاشه اليومي، بالرغم مما يلاحظ من لهث وراء الغرب والعادات الغربية.

* إن الأرض العربية هي مقدسة في ترابها وتاريخها, تُذكر الإنسان دائماً بتقدمه ومكانته العريقة بين الأمم, وتشعره بالذنب غالباً عند تبني عناصر غريبة عن ثقافته.

4- الثقافة وشخصية الإنسان:

إن الشخصية الإنسانية رضينا أم أبينا هي من صنع الثقافة ونتاجها. وما الاختلاف الملاحظ بين شخصية العربي والصيني والإفريقي والهندي والأمريكي إلا نتيجة مباشرة لاختلاف ثقافاتهم. حتى في المجتمع العربي الواحد, فقد بدأنا نلحظ حديثاً بعض الاختلاف بين شخصية العربي في قطر وأخيه في القطر الآخر, حيث يتصف في معظم كل منها بلهجة عربية ولباس ومظهر وسلوك وعادات خاصة دون غيره من أبناء عرقه.

وبينما تكون الشخصية نتاجاً للثقافة , فهي أيضاً بخصائصها وسلوكها العام وسيلة لحفظها واستمرارها. بين الشكل التالي كيف تكون الشخصية صنيعة الثقافة وحافظة لها فـي آن.

5- مراحل التعلم الثقافي

يتم للفرد تعلم عناصر الثقافة سواء كانت هــذه عموميات أو خصوصـيات أم بدائل بواسـطة ثلاث مراحل نلخصها كما يلي:

أ) المرحلة الرسمية:

يعلم الكبار صغارهم في هذه المرحلة عناصر ثقافية ورثوها مباشرة عن آبائهم. إن هذه العادات ذات طبيعة مطلقة في معظمها, ولا تحتمل إلا حكماً واحداً يتصف بنعم أو لا , صحيح أو خطأ , أبيض أو أسود , دون إعطاء المتعلم تبريراً منطقياً لذلك في العادة.

من أمثله عناصر هذه المرحلة: أساليب الأسرة في تربية الصغار, ومكانة الفرد في المجتمع حسب عمره وجنسه , والمفاهيم العامة لحرمة الأسرة ومنزلها , ومفاهيم الدعابة والمرح الخاصة , وعادات العمل اليومية , والقيم الطبقية أو الأسرية الخاصة , وأعراف الملكية للرجل والمرأة، واعتقادات الفرد لقوى ما وراء الطبيعة ( المبادئ الدينية ) ثم الأساليب المتعارف عليها بخصوص تعامل الجنسين في الأسرة.

ب) المرحلة غير الرسمية:

يتم التعلم الثقافي في هذه المرحلة عن طريق ملاحظة الفرد لأقرانه وأفراد المجتمع الآخرين خلال قيامهم بالسلوك اليومي. ينتقي الفرد عادة نماذج من هذا السلوك تلائم قدراته الذاتية وخصائصه النفسية. إن العناصر التي ينقلها المتعلم في هذه المرحلة ذات طبيعة سلوكية واقعية وفردية. من أمثلة هذه العناصر: الأنظمة الطبقية أو القبلية, والإشارات والألغاز الملفوظة وغير الملفوظة في اللغة, والأنظمة والعادات المحلية لاستغلال الموارد الاقتصادية، والأساليب الفردية للدفاع عن المعتقدات والأنظمة، و ألعاب المرح والتسلية في الأندية والاجتماعات الخاصة، والاتجاهات العامة لتنظيم الوقت، وأعراف تمييز الفرد حسب الجسم والشكل.

ج) المرحلة المقننة

 تتم عملية التعلم الثقافي في هذه المرحلة بشكل منظم وخاضع لقوانين رسمية وأهداف موضوعة من قبل مؤسسات الدولة الرسمية , وفي مقدمتها المؤسسات التربوية كالمدارس والمعاهد والكليات. وعندما يحصل خطأ معين خلال التعليم المقنن, فإن عملية التصحيح تتم عادة بشكل منطقي, مع تقديم تبريرات مقنعة لذلك.

من أمثلة العناصر الثقافية التي يتعلمها الفرد ويمارسها في هذه المرحلة هي: قوانين الجمعيات التعاونية والنقابات المهنية ووظائفها المتنوعة, ومفهوم الحكومة وقوانينها وتنظيماتها الرسمية , وقوانين لباس وسلوك الجنسين , ومهن المعيشة المختلفة، ونظام التوقيت، وأنواع الرياضيات المنظمة، وقوانين تنظيم الأسرة، والتراث الفكري والأكاديمي، والحدود الجغرافية التي يوجد ضمنها المجتمع , ثم اللغة الرسمية، وقوانين التعامل السوي، وأنظمة وشعائر العبادات.

المدرسة وكيلة المجتمع ووسيلته للنمو الثقافي

تمثل المدرسة إحدى العناصر الثقافية المميزة لأي مجتمع محلي. وهي في نفس الوقت أداته الرئيسية الرسمية لتأهيل الناشئة للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية عن طريق ما يسمى بالمناهج – الإنسانية والعلمية والفنية والمهنية والدينية.

وبينما تعتبر المدرسة على اختلاف أنواعها ومناهجها وكيلة المجتمع وممثلته في إحداث النمو الثقافي , فإنها تعكس بخصائصها الشكلية وتجهيزاتها وأساليب تعليمها ومعاملاتها ومُنتسبيها من تلاميذ ومعلمين وإداريين وخدمات مساعدة ما يمتلكه المجتمع من أنظمة ثقافية ودينية وسياسية واقتصادية. وقد مثل الأمريكي سبيرز مبكراً (Spears, 1953   )   مكانة المدرسة وعلاقتها بالمجتمع بالرسميين التاليين:

 

 

المدرسة بغرفها وكوادرها ومناهجها

 

 

المجتمع المحلي وثقافته

 

 

المجتمع الواسع وثقافته

 

 

 

يمكننا على أي حال تلخيص العلاقة التي تربط المدرسة بالمجتمع, وتوضيح دورها كوكيلة له وسيلة لنموه الثقافي بالنقاط التالية:

* إن المدرسة كمؤسسة اجتماعية تقوم عادة عن طريق مناهجها بحفظ التوازن والاستقرار الاجتماعي , وبالتوفيق بين متطلبات المجتمع وصراعاته وأهوائه المتنوعة , ومصالح أفراد التلاميذ وحاجاتهم وحقوقهم الإنسانية والنفسية والمادية في النمو والاختيار والعمل.

ومع أن هذه المهمة لا تتم بسهولة أو تلقائية كما يُعتقد عادة , إلا أن تجسيد المناهج للقيم والآمال والخصائص الاجتماعية والثقافية العامة المفيدة لاستقرار المجتمع ونمائه في آن , وتوفير معلمين أكفاء إيثاريين للمصلحة الوطنية على من سواها , قد يهون على المجتمع بعض المعاناة التي يخبرها , ويخلصه بعض الشيء من التفتت والحيرة التي يعيشها أحياناً.

* إن المدرسة بشكلها ومكوناتها وأنظمتها المتنوعة التعليمية والإدارية هي مؤسسة اجتماعية تتفاعل خلالها مختلف الفئات من تلاميذ ومعلمين وإداريين وعاملين حسب قيم وقوانين وتقاليد موضوعة، لتحقيق غايات تربوية واقتصادية واجتماعية ونفسية. والجدير بالتأكيد هنا هو أن هذه القيم والقوانين التي تجري ممارستها في البيئة المدرسية هي عينات حقيقية للنظام الثقافي العام للمجتمع. فالحياة المدرسية بهذا هي استمرار للحياة ووسيلة ذاتية مباشرة لنمو المجتمع وتحقيق هويته المميزة.

* ان المجتمع الصفي هو عينة صادقة للمجتمع المدرسي الذي يمثل بدوره عينة حقيقية للمجتمع المحلي من حيث عادات التلاميذ وقيمهم الخلقية ومعتقداتهم السياسية وطبقاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتعاملهم واهتماماتهم الشخصية، ومشاكلهم العامة. فكل تلميذ في المدرسة هو عينة لأسرته، وأن مجموعهم وإجتماعهم يومياُ معاً يُشكل مجتمعاً مصغراً يشبه بخصائصه إلى حد كبير المجتمع الواسع خارج المدرسة. إن مجتمع المدرسة من النواحي البشرية والثقافية هو نموذج للمجتمع المحلي وممثل له , وأن ما يطرأ على هذا المجتمع من نمو ينعكس بالضرورة على المجتمع الواسع خارج المدرسة.

* إن أهداف التربية المدرسية تشكل بحد ذاتها أهداف المجتمع المحلي وآماله في النمو والتغيير والاستمرار. ويتولى وضع الأهداف العامة للتربية عادة خليط متنوع من الاجتماعيين والدينيين والتربويين والاقتصاديين والسياسيين في المجتمع المحلي. يتولى المربون بعدئذ ترجمة الأهداف الاجتماعية العامة إلى أهداف تعليمية مدرسية , لتقوم المدرسة عن طريق معلميها وإدارييها ومناهجها بتحقيقها لدى التلاميذ. تبدو العلاقة بين الأهداف التربوية العامة للمجتمع والأهداف التعليمية المدرسية والمعلمين والمنهج والتلاميذ كما يلي:

* إن محتوى المناهج والتدريس من معلومات وحقائق هو خلاصة ما يريد المجتمع تعليمه للناشئة , حيث يعكس حاجاته العلمية والمهنية والثقافية. فالمعلومات الرياضية والبيولوجية والكيميائية والاجتماعية والدينية والخلقية التي تُكوّن محتوى المناهج والتدريس في المدارس العربية، تختلف قليلاً أو كثيراً عن تلك في المدارس اليابانية والكنغولية والفرنسية والأمريكية وذلك للأسباب التالية:

* اختلاف المستوى الحضاري للمجتمعات المبينة أعلاه.

* اختلاف مراحل تقدمها العلمي.

*اختلاف ثقافاتها.

* اختلاف حاجاتها المهنية العامة.

* اختلاف آمالها وطموحاتها أفرادا واسر وجماعات.

فنرى محتوى المناهج العربية من معلومات وحقائق على سبيل المثال , يتمثل لدرجة كبيرة بمبادئ العلوم النظرية المختلفة والأحكام الخلقية والاجتماعية التي لا تتعارض وأحكام الأنظمة الثقافية الرسمية. وبهذا فإن مناهجنا الدراسية بشكل عام وتعليمنا بشكل خاص لا تزال ترفض تضمين بعض القوانين العلمية والفلسفية التي لا تنسجم ومبادئ الدين كنظرية داروين والمذاهب الفلسفية المادية.

أما محتوى المناهج في مدارس الصومال مثلاً، فإنه يتركز حول تعليم الصغار وأفراد المجتمع الآخرين مبادئ القراءة والكتابة والحساب وذلك لحاجة المجتمع الأساسية لهذه المهارات وللمستوى الحضاري والعلمي الذي يتصف به المجتمع الكنغولي بوجه عام.

هذا وإن محتوى المناهج في المؤسسات التربوية اليابانية والفرنسية والأمريكية يتميز بالتقنية والعلمية غالباً مع فروق طفيفة من حالة لأخرى، كما هو الحال في التعليم الياباني الذي يعطي أهمية خاصة للماضي وثقافة المجتمع بالإضافة إلى التقدم التقني والعلمي المعاصر.

* إن أنشطة المناهج واستراتيجيتها من طرق ووسائل تعليم وأنشطة تعلم , وإجراءات ضبط النظام الصفي وتوجيهه هي في مجملها انعكاس لما يمارسه المجتمع الواسع، ولما يوفره مادياً وتدريبياً في معاهد إعداد المعلمين. فنرى بأن الوسائل المباشرة في التعليم وتوجيه النظام الصفي, كطريقة المحاضرة في التدريس واستخدام العقاب الجسدي والتعنيف في معالجة المسائل النظامية لا تزال سائدة في تعليمنا المدرسي بالرغم من المحاولات المتكررة لمنعها من المربين المحدثين. والسبب الرئيس في رأينا لهذا الاستمرار هو مركزية المسؤولية في الأسرة والمجتمع وطرق التوجيه المباشرة – المتمثلة في الغالب بالإلقاء والأمر والردع جسدياً أو لفظياً – التي يربي بواسطتها صغار الأسرة. والمعلم الذي ينفق حياته في مثل هذه البيئة المباشرة وتتبلور شخصيته من خلالها , لا يمكن بأي حال التخلي عن هذه الخصائص والممارسات كلياً على الأقل نتيجة مناهج تدريبية متقدمة الجودة تخطيطاً ومحتوى وتنفيذاً أحياناً.

وكما هو الحال في معلومات وحقائق التدريس، فإن المجتمع كذلك يحدد نوع التعامل والأنشطة التعليمية المقبولة تربوياً وخلقياً. وعلى هذا نلمس بأن العلاقة التي تربط المعلم بالتلميذ، والإداري بالمعلم هي في طبيعتها رسمية ومباشرة , وأن المعلم بدوره كموجه للتربية الصفية يستثني أي نشاط لا ينسجم مع المبادئ والاجتماعية والخلقية العامة.

* إن مدى توفر وتنوع وحداثة المواد التعليمية والتجهيزات المدرسية مرتبط بشكل مباشر بالحالة الاقتصادية والحضارية للمجتمع المحلي.

ومن هنا نرى الاختلاف الكبير في الوسائل والمواد التعليمية المستخدمة وخصائص المدارس المتوفرة بين مجتمع وآخر , أو حتى بين بيئة اجتماعية وأخرى في المجتمع الواحد. فنوع وحداثة وسائل وتقنيات التعليم والتجهيزات المدرسية المتوفرة هي غيرها للتعليم الصومالي والياباني والفرنسي والأمريكي مثلاً , وذلك لاختلاف الحالة الاقتصادية والمستوى الحضاري الذي يتمتع به كل مجتمع مع بعض الاستثناء دائماً – حيث نرى في تعليمنا العربي بأن المجتمع قادر على سبيل المثال على توفير أجهزة متقدمة وتقنيات مرئية وسمعية الكترونية لأسره وعاجز في نفس الوقت عن توفيرها لتعليم الناشئة في المدارس المحلية.

نخلص إلى القول بأن المدرسة هي وكيلة المجتمع لتحقيق التطور والنمو والاستقرار. وأن المجتمع وثقافته يقرران ما يجب أن يكون عليه التدريس والمنهج من أهداف ومعلومات وأنشطة ومواد ووسائل تعليمية وتجهيزات مدرسية. هذا وتتلخص طبيعة الدور الاجتماعي الذي تقوم به المدرسة بالنقاط التالية:

* نقل ثقافة المجتمع والمحافظة عليها.

* تنمية ثقافة المجتمع بما يتلاءم مع أهدافه العامة ومتطلبات استمراره.

* المحافظة على استمرار المجتمع بهوية مميزة لها خصائصها ونظامها وكيانها الخاص.

* تطوير شخصية الناشئة وتأنيسها وصقل إنسانيتها.

* تحضير الناشئة للحياة البالغة الراشدة التي يمارسها المجتمع ويرضى عنها.

الجذور الثقافية للمنهج

يمثل المنهج كعامل رئيسي في التربية المدرسية الأداة الحقيقية المباشرة لتنشئة صغار المجتمع. وهو بأهدافه ومعلوماته وأنشطته ما هو إلا انعكاس لمختلف المثل والمعارف والمهارات التي يعتقد المجتمع بقيمتها وأهميتها العملية للنمو والاستقرار.      وتشكل هذه العناصر الثقافية –المنهجية بجد ذاتها المعايير والمراجع التي يحكم المجتمع بواسطتها على صحة الأشياء أو خطئها , خيرها أو شرها , جمالها أو قبحها , حقيقتها أو زيفها , مناسبتها أو عدمها،، سواء كانت هذه الأشياء أو الأمور تتعلق بالاقتصاد أو السياسة أو التربية أو المعاملات الاجتماعية أو النشاطات الفنية والجمالية والفكرية.

والمنهج الذي يجسد في العادة جملة المعايير القيمية أعلاه أو ما يطلق عليه بالمحتوى الأخلاقي للمجتمع، يُعرف بمنهج الثقافة أو التربية العامة Common Culture Curriculum or Common Education Curriculum. أما المنهج الذي يجسد الخصوصيات الثقافية فيطلق عليه بمنهج التربية الخاصة Special Education Curriculum  كمناهج المتفوقين والمعاقين والمناهج المهنية واللغات وغيرها.والمنهج سواء كان للتربية العامة أو الخاصة هو وليد المجتمع وصنع ثقافته.

ومن هنا نرى أن اختلاف المعطيات الثقافية بين المجتمعات العالمية، يؤدي تلقائياً إلى تنوع مناهجها واختلاف عناصرها – أهدافاً ومعلومات وأنشطة – عن بعضها الآخر.

ويؤكد دوركايم Emile Durkheim  عالم الاجتماع الفرنسي العلاقة الحميمة أعلاه التي تربط المنهج بالمجتمع بالقول: إن المهمة المركزية للتعليم تتمثل في تحضير الفرد للحياة الاجتماعية الراشدة , وذلك بتطوير عدد من الخصائص والصفات والقدرات الفكرية والخلقية والجسمية التي يتطلبها المجتمع بوجه عام والبيئة المحلية بشكل خاص. ويرى دوركايم كذلك أن من حق كل بيئة محلية أن تعد ناشئتها بما يلائمها من قيم وكفايات وعادات لضمان تقدمها واستقرارها.

إن ما تعنيه مبادئ دوركايم الاجتماعية للتعليم هو تبنيه لمناهج مختلفة إن دعا الأمر ذلك، يتفق كل منها مع الخصائص والمعطيات الثقافية لكل بيئة أو فئة أو طبقة محلية. ويجدر التأكيد هنا بأن المنهج حتى يستطيع تطوير الخصائص والقدرات اللازمة للمجتمع، وحتى ينسجم أيضاً مع معطياته الثقافية،، يتوجب أن يكون نفسه نتاجاً اجتماعياً ووسيلة أمينة يحقق بها المجتمع المحلي ذاته.

الخلاصة

وبعد، وما دام هناك علاقة عضوية وسببية حميمة بين ثقافة المجتمع والمدرسة والمنهج, ومادام كل من المدرسة والمنهج يمثلان وسائل هادفة مباشرة لاستمرار الثقافة ونموها, وبالتالي لاستقرار المجتمع وتقدمه, فلأي درجة تعتبر مدارسنا فعالة نوعاً وكيفاً وشكلاً لاستيعاب هذه المسؤوليات الجسام؟ ولأي درجة أيضاً تراعى العلمية والموضوعية في صياغة مناهجنا, لتكون كافية نفسياً وتربوياً لإعداد أجيال واثقة وقادرة على تفهم التغيرات الثقافية, ومن ثم تشريع التحولات الاجتماعية المنشودة؟ أسئلة موجهة لكل مسؤول قويم, مهتم بنماء المجتمع وتقدمه،، ولكل مرب معطاء في فكره وخلقه وإنسانيته, يكرس وقته وجهده لتطوير أجيال وطنية سوية.. للمراجعة الجادة ولشحذ مزيد من المبادرة والهمة( تم تحديثه من الأصل: ثقافة المجتمعآليات نموها وتضميناتها للمدرسة والمنهج. المجلة العربية للتربية- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس. المجلد 3 العدد 2، 1983، صفحة 81-92. ثمانية مراجع، يمكن تزويدها لمن شاء عند الطلب )..

 

 

 

* *  *  * *

 

 

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان