غضب الأبناء

أ . د / محمد زياد حمدان

2006

 

 

مقدمة

     الغضب Anger  هو حالة انفعالية يعبّر بها الأبناء بطريقة غير سوية وغير اجتماعية، في إظهار عدم رضاهم عن شيء أو وضع أو تصرف معهم من الآخرين داخل الأسرة، أو في خارجها بالحي أو المدرسة أو مجموعة من الأقران. فيلاحظ على الابن أو الابنة بهذا الصدد، إحمرار أو إختناق لون الوجه والضيق النفسي والثورة أو الانفجار الحركي المرفق بالشتم والسباب والذم أواللوم والنقد اللاذع،، بدون انضباط يذكر لهذه التصرفات السلوكية.. أو وعي ما تسببه أحياناً من أذى مادي نتيجة تخريب أو تكسير الأشياء،،  أوأذى جسمي بالضرب والمصادمة واستعمال الأدوات الحادة أوالمؤذية.. أوالاستياء النفسي باعتدائهمــا (أي الابن أوالابنة) على أخ أو أخت أو قرين أو آخرين غيرهم خطأً بدون وجه حق أو بدون فهم الواقع أو المغالاة في ردود الفعل الغاضبة.

 ويقع الوالدان والأبناء أحياناً في دائرة متصلة من الأفعال وردود الأفعال الغاضبة بدونممارسة صبر وأناة من الوالدينن وتوجيههما للأبناء وتهدئة خواطرهم.. وبدون إدراك الأبناء بانحل المشكلة المؤدية للغضب لا يأتي بارتكاب مزيد من الغضب وردود الفعل الغاضبة..              

  والنتيجة؟ وصول الطرفين: الوالدين والأبناء إلى طريق مسدود معيق لاستقرار وتقدم الحياةالأسرية.. يفرض في نهايته الوالدين على الأبناء قيوداً أووسائل عقابية إضافية.. أماالأبناء، فينطوون على أنفسهم صامتين ومغتاظين أكثر،، انتظاراً لموقف غاضب لاحق يُفرّغون فيه كل ما حدث.. أوفي أحيان أخرى، يتمردون على سلطة الوالدين بالعنف اللفظي والخروجعن التعليمات أو الأوامر وعمل ما يريدون أويصروّن عليه

أسباب عامة لمشكلة غضب الأبناء

إن السبب العام الذي يؤدي لغضب الإنسان كبيراً وصغيراً هو شعوره بالإحباط أواليأس وخيبة الأمل مما يجري حوله أو معه مباشرة.. والأبناء ليسوا استثناء عن هذه القاعدة السببية للغضب. لكن الإحباط أو اليأس الذي يصل إليه الأبناء يتبلور أيضاً نتيجة عوامل أومسببات أخرى، تُفجّر انفعالات الغضب النفسية الكافية، وتحولها إلى ردود فعل مدمرة أحياناً. من هذه العوامل المثيرة للتصرفات الغاضبة من الأبناء، الأمثلة التالية:

1-    امتلاك الأبناء أحياناً لاستعداد وراثي للشعور بالغضب وارتكاب السلوكيات الغاضبة. يبدو هؤلاء أسرع من غيرهم في الإحساس بالضيق وعدم الرضا والثورة على الموقف أو الوضع.. بردود فعل حادة أو مدمرة أكثر من أقرانهم الذين لا يمتلكون جينات الغضب العصبية في بنية دماغهم الإنساني.

2-    الإحساس العارم بالإحراج والوحدة والعزلة عن العالم الاجتماعي للأسرة أوالأقران والقلق والوقوع ضحية الأذى المسيء للنفس أوالجسم. يتصرف الأبناء نتيجة هذه المشاعر ومواقفها السلبية، بالغضب وسلوكياته بسبب عدم قدرتهم على فهم أو تبرير ما يجري معهم، على إحداث التغييرات الإيجابية للتخلص من الآثار النفسية التي تحدثها لديهم.

3-    مقاومة الشعور بالإذعان أو الاعتماد على الغير بما فيهم الوالدين وأعضاء الأسرة الآخرين أوالأقران أوالمعلمين.

4-    مقاومة مشاعر الخوف من فقدان إنسان عزيز من أعضاء الأسرة أو الأقران، أو مكاسب وأدوار أسرية ومحاولتهم بالغضب المحافظة على ما يتمّنون أو يخشون من فقدانه.

5-    تعويض الشعور بالأذى نتيجة فقدان إنسان أو شيء أو رغبة هامة، حيث يلجأ الأبناء إلى الغضب هرباً من الإحساس باليأس والحزن والعجز الشخصي.

6-    إثارة انتباه الوالدين لأداء ما يتوقع منهم تجاه الأبناء من سد حاجات مادية أحياناً، أو تغذية فضول معرفي بالشرح والتوضيح والإرشاد والتوجيه بتحديد معايير وضوابط يدرك الأبناء دون عناء نفسي المطلوب منهم، أوتغذية حاجة نفسية بإحداث الأسرة لتغييرات محددّة مادية أو إدارية في البيئة الأسرية لتكون بناءة وحيوية أكثر لحياتهم اليومية.

مؤشرات تحذيرية لمشكلة غضب الأبناء

إن الأبناء الذين يشعرون بالغضب وبالاستعداد السلوكي في ارتكاب ردود فعل سلبية في التعبير عنه، يلاحظ عليهم المؤشرات التالية: 

1- ضيق التنفس والمزاج العصبي القلق لحركاتهم وتعاملاتهم مع الناس والأشياء والمهام التي يقومون بها.

2-رفض التعليمات والتوجيهات والأوامر الأسرية أو للمعلمين في المدرسة أومخالفة رغبات الأقران.

3- احمرار أوعبوس وتقطّب الوجه.. واللجوء للصمت المرافق للضيق وتصبّب العرق على الوجه واليدين.

1-   التحدث بألفاظ أو سلوك بتصرفات غير معتادة من الأبناء، تميل في مجملها للعنف والغيظ من البيئة.

2-   الشكوى من الشعور بالظلم والإحباط من شخص محددّ في الأسرة أو خارجها وبعدم القدرة على عمل شيء لتصحيح الوضع معه.

3-   حديث الأبناء عن الرغبة في الانزواء والعزلة جانباً، وعن معاناتهم من الإحراج في التعامل مع عضو أو أكثر بالأسرة أو الأقران أو المعلمين أو غيرهم، وعن مشاعر القلق والأذى التي تعتريهم من جراء ذلك.

4-   ميل الأبناء سلوكياً للعزلة والوحدة جانباً، وملاحظة مؤشرات الإحراج والقلق والأذى بادية على مظهرهم الشخصي.

التوجيه الأسري للتغلب على مشكلة غضب الأبناء

يمكن للأسرة اعتبار المبادئ والإجراءات التالية، للتغلب على مشكلة غضب الأبناء:

1- محافظة الأسرة في تصرفاتها ومداخلاتها مع الأبناء والآخرين في الحياة اليومية بعيداً عن الغضب،، وحل المشاكل معهم بدون ارتكاب سلوكيات غاضبة. فتكون بهذا قدوة للأبناء بخصوص حقهم في الشعور بالغضب، لكن بالتعبير الإيجابي عنه دون تخريب الأشياء والعلاقات الإنسانية أو الإساءة للآخرين. إن معالجة الأسرة لمواقف ومشاعر الغضب بأساليب عقلانية ومدنية يزرع في الأبناء نفس هذه الأساليب.

2- دراسة الاسرة بصبر وتعقل دائماً لمواقف غضب الأبناء وفهمها للظروف والعوامل التي أدت للغضب،، ثم تعليم الأبناء بأن تغييرات الغضب المسيئة لفظياً أونفسياً أوجسدياً هي عدوان على الآخرين، سواء كان هؤلاء أخوة أوأقران أوغيرهم.

وأن لديهم ما يبرر أحياناً الشعور بالغضب، ولكن الاعتداء على الآخرين يشكل انحرافاً مؤذياً منهم يجب تجنبه. ولا يجب من الأسرة في حلها لمشكلة الغضب حصر التعليمات والتوجيهات في سلبيات سلوكيات الغضب، وعلى النواحي أو التصرفات التي يتوقع منهم الابتعاد عنها،، بل أيضاً تقديم البدائل الإيجابية التي تساعد في حل مشاكل الغضب بطرق سلمية مثل:  اطلب من أخيك أو قرينك الصديق إعادة الشيء الذي أخذه منك بدون إذن،  أو أخبرني عن الأمر للمساعدة في حل المشكلة بدون عنف، أوأخبرهما بأنك ستقرّر المشكلة لي ( الأب أوالأم ) لاتخاذ الحلول الناجعة لذلك. أو توجيههم لمجرد ضبط النفس والأعصاب والتفاهم بهدوء ومنطق مع الجهة المثيرة للغضب.. ومحاولة التوصل بالحديث وتبادل الآراء والالتزامات، لحلول مقبولة من الطرفين لمشكلة الغضب.

3- ملاحظة السلوك الإيجابي للأبناء في تعاملهم مع مواقف الغضب وتعزيزهفوراً لديهم بالمديح والتشجيع، والمكافأة بشيء أوحاجة أورغبة يتطلعون إليها.. أو في بعض المواقف غير المتطرفة للغضب وسلوكيات الغضب من الأبناء، تجاهل الأسرة (والمعلمين أيضاً)  هذه المواقف وجعلها تمرّ دون شد ورخي معهم.. مؤدياً ذلك إلى انطفائها وتلاشيها لديهم لعدم تحقيق الانتباه الذي يسعى إليه الأبناء في العادة من الأسرة أوالمعلمين. 

4- توفير مواقف وأنشطة حركية للأبناء يمارسون بها طاقاتهم وإثاراتهم الجسمية حتى الإجهاد أحياناً، حيث تُستنْفذ بذلك قواهم الجسدية بعيداً عن اعتداءات الغضب. كما يمكن للأسرة تهدئة خواطر الغضب لدى الأبناء بضمهّم إلى الحضن أو الصدر أثناء الجلوس في مشاهدة برنامج فضائي أو الحديث مع الأسرة.. إن شعور الأبناء بحنان وتعاطف وتفهم الأسرة، يُطفئ من حدّة الغضب لديهم، ويُعيد وعيهم للتفكير المنطقي والتغلب على مشاكل الغضب بطرق إيجابية أكثر  .

5- متابعة إنجازات واهتمامات الأبناء وإظهار مشاعر الاعتزاز أو الافتخار بهم وبما يقومون به والتنويه إليهم ولإنجازاتهم أمام الآخرين من معارف وأقارب وزائرين للأسرة.. وإندماج الأسرة كذلك في أنشطة ومسؤوليات الأبناء سواء كانت هذه هوايات لهم أو واجبات دراسية منهم.. والوقوف معهم وتعزيزهم خلال أدائهم لها، والاستجابة لحاجاتهم النفسية أو المادية لتشجيعهم على المواصلة في تحقيق الأهداف.. بدون إحباطات أو خيبات الأمل، وبعيداً عن الغضب والسلوكيات الهدامة أحياناً.

6- استخدام المرح والدعابة مع الأبناء عند غضبهم أحياناً، لتحويل مشاعر الغضب عن الإثارة السلوكية وللتخفيف من حدتها لديهم. إن توفير الأسرة (أوالمعلمين في المدرسة أيضاً) للأبناء مخارج إيجابية آمنة خالية من الإحراج والحيرة والاستسلام للواقع، بواسطة الدعابة والمرح،، يُجنبهم تلقائياً عن عواقب الغضب من أنفسهم ومن الآخرين في آن، كما يساعد في الاستقرار والتفاهم الأسري.     

     والمهم من الأسرة (والمعلمين) التذكر دائماً، تجنب المرح والدعابة للاستخفاف بالأبناء والحط من قدرهم أوالسخرية منهم.. لأن مثل هذه التصرفات تزيد من حدّة غيظ وغضب الأبناء،، كما تعدّ انحرافات انفعالية وسلوكية من الأسرة والمعلمين في آن.. مؤدياً ذلك للمعاناة من مشكلتين: مشكلة غضب الأبناء ومشكلة جهل الأسرة في التوجيه والإرشاد المطلوب لخروجهم من مشاعر وتصرفات الغضب.. الأمر الذي نتمنى عدم حدوثه حفاظاً على استقرار العلاقات الأسرية.

7- تزويد الأبناء بظروف وأنشطة ومواقف الأسرة اليومية، والضوابط أوالاعتبارات التي يفضل منهم أخذها في الحسبان خلال القيام بالحياة والأنشطة اليومية الخاصة بهم،،  وذلك تجنباً للتعارض الممكن بين رغباتهم وسلوكياتهم، وما تحتاجه الأسرة أيضاً بالمقابل منهم.. ولعدم تعبئة المشاعر سلبياً بالغضب والانفعالات المثيرة للمصادمة والخلاف والعدوان.

8- الضبط الجسدي للأبناء عند الغضب الشديد الخارج عن السيطرة.. المنذر بانفجارات سلوكية عدوانية،، وذلك بسحبهم ( إخراجهم ) من موقف الغضب إلى مكان آمن، يسوده الهدوء والفرصة على استعادة الوعي وإعادة النظر في الموقف الغاضب.

9- التفاوض مع الأبناء وعقد اتفاقات معهم بالساعة واليوم والأسبوع أو أكثر أحياناً،، لضبط مشاعر وتصرفات الغضب لديهم مقابل مكافأة يرغبها أوينتظرها الواحد منهم.. وعندما يصل الأبناء إلى تكوين عادات ذاتية في التحكم بغضبهم، عندئذ يمكن للأسرة استعمال خطط لسحب المعّززات باستراتيجية التلاشي التدريجي أوغيرها مما يناسب (انظر لمزيد من التوضيح في كتابنا: تعديل سلوك التلاميذ والأطفال واليافعين في الأسرة ومراكز الأحداث. نشر دار التربية الحديثة).

إدارة وضبط الغضب ومشاعره ومواقفه لدى الأبناء بواسطة أحكام وقواعد ومبادئ   وإجراءات إيجابية واضحة وحازمة.. ثم مفهومه ومعلنـة معروفة من الأبناء في آن.إن تطبيق الأسرة ( والمعلمين أيضاَ ) لأحكام وضوابط الغضب مع الأبناء بالحزم والمثابرة والحياد وعدم التناقض، يُمكّن الأبناء من التحكم في مشاعر غضبهم ذاتياً أو بقليل من الإرشاد والتوجيه والمتابعة الأسرية المباشرة (من كتاب / اضطرابات نفسية وسلوكية للأبناء أنوعها ومؤشراتها والتوجيه الأسري لعلاجها وكتيب/ إضطرابات نفسية للأبناء.نشر دار التربية الحديثة بدمشق، 2006).

 

***** 

 

 

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان