التربية المدنية

وتعليم المواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان-

وقاية الإنسان من الفشل في البلدان النامية- ضرورة الاصلاح الآن

 

أ. د / محمد زياد حمدان

خبير ومستشار تربوي

دار التربية الحديثة

mehpub.sy@yahoo.com

 

مقدمة في اشكالية التربية المدرسية التقليدية الراهنة

توضيح عام لمفهوم وممارسة التربية المدنية

التربية المدنية حق طبيعي لكل إنسان

آليات استيعاب التربية المدنية للمواطنة والديموقراطية وحقوق الانسان

في عصر العولمة

التربية المدنية وتعليم المواطنة المدنية

التربية المدنية وبناء الشخصية الاجتماعية وتعليم سلوكياتها المدنية

التربية المدنية وتعليم مفهوم وممارسة الديمقراطية المتوازنة

التربية المدنية وتعليم الحقوق المتوازنة للإنسان

تفعيل التربية المدنية في اعداد ناشئة مدنية

 

 

مقدمة في اشكالية التربية المدرسية التقليدية الراهنة

إن التربية ومؤسساتها الشعبية والرسمية المتنوعة هي "المُفاعلات" الحقيقية لصناعة الانسان. فالانسان الذي يولد في أول حياته بيولوجياً، يولد مرة أخرى بالتربية اجتماعياً وذلك بتأثير الاجتماعات المدنية للناس: الأسرة وشلة الأقران أو الأصدقاء، وتفاعلات الحي والمدرسة والمؤسسات الخاصة والعامة للمجتمع. وما الهوية الشخصية بمؤشراتها السلوكية المتنوعة التي يتميز بها الفرد من بيئة محدّدة سوى نتاج مباشر لولادته الثانية (الولادة الاجتماعية).                                               

أي أن الهوية الفردية للإنسان هي حصيلة تربيته الثقافية: الرسمية وغير الرسمية. فإذا كانت هذه التربية هادفة سويّة،، فإنها تمنح الفرد في الأحوال العادية، شخصيةً اجتماعيةً تدرك دورها في الاجتماع المدني للناس، ثم تمارس هذا الدور في ضوء الأهداف والأحكام والاعتبارات الخلقية والإمكانيات البيئية المتاحة.

لقد شبّه تالكوت بارسون1 الأجيال اليافعة بأنها "موجات متعاقبة من الغزو البربري للمجتمع". إن ما يعنيه بارسون في الواقع هو أن الطفل يولد غير اجتماعي وان تعريضه الى معارف وخبرات تربوية ثقافية من الأسرة والمجتمع ثم اكتسابه لها بما يمتلك من قدرات ذاتية نفس فيسيولوجية متنوعة، يؤدي إلى تكوين منظومة سلوكية متكاملة من اللغة والثقافة والأخلاق؛ تشكل جوهر شخصيته المدنية الاجتماعية المميزة.

ويؤكد جورج هربارت ميد عالم الاجتماع المعروف2 في هذا السياق بأن هوية الفرد الاجتماعية بدءاً بالاسم الذي يُمنَح له مع ولادته وانتهاءً بأدواره وأساليب تفاعله مع الناس تتقرر في مجملها من البيئة الاجتماعية ومواقفها الاجتماعية المتتابعة المختلفة.

أما ميكافيلي عالم الاجتماع السياسي فيحزم أمره بخصوص أهمية التربية في تنمية الفضائل الخلقية للإنسان (والتي تشكل جوهر سلوك الفرد الاجتماعي) بالقول "أن فضيلة الناس تعتمد كلياً على التربية. حتى إن العامة والخاصة من الناس الذين قد تبدو لديهم هذه الفضيلة موروثة، فإنها مع ذلك تتشكل عادة بالتربية"3.

وقد عمد جون ديوي عالم التربية المشهور مع بداية القرن العشرين إلى ربط مفهوم وسلوك الديمقراطية (المصطلح السلوكي الاجتماعي الشامل الذي يسود اللغة الشعبية والرسمية المعاصرة) بالتربية. فالتربية كما يراها هي مهد الديمقراطية والمستنبت الخصب لسلوكياتها الاجتماعية العادلة المتنوعة4.

أما في غمرة ما يلاحظ آنياً من ضعف في الشخصية الانسانية ومن سلوكيات غير مدنية طاغية ومن تجاوز مُتعمّد للحدود والاعراف، فيشير الى عجز التربية الحالية: أسرة ومدرسة/جامعة ومؤسسات ومواقف اجتماعية أخرى عن أداء واجبها تجاه تطوير الأجيال اليافعة. إن تنشئة التلاميذ في الألفية الحالية الثالثة بشخصية مدنية ديمقراطية،  ملتزمين بمبدأ عدالة  التوزيع في الحقوق والواجبات،، يتطلب تعويدعم على تجنب الانحراف بواسطة5:

·        إنضباطهم ذاتياً بعدم استغلال الفرص لمصالحهم الشخصية.

·         وعدم شعورهم بالتعالي على حساب الآخرين.

·   وعدم محاولة تغيير أو تعديل القوانين وأحكام التعامل العام من أجل تمرير مصالح شخصية أو قرارات اجتماعية غير عادلة.

ومواطن الضعف التي تعتري التربية المدرسية التقليدية الحالية هي كونها غير مدنية ترعى بالدرجة الاولى التخصصات الفكرية الأكاديمية الضيقة التي لا تدرك شيئا يذكر خارج مجالاتها في الواقع،، ثم ثانياً: كون أساليبها ترعى في الناشئة صفتين هدامتين للشخصية المدنية المتوافقة نفس اجتماعيا، وهما: الشك أوالريبة بالآخرين، والإهمال أوعدم الاكتراث بما يجري في الحياة اليومية.

فعصر الحداثة الذي كان سائداً قبل الألفية الثالثة الحالية دعا إلى دراسة التخصصات الاكاديمية الدقيقة للاعتقاد بفوائدها المهنية ولنجاح أصحابها في أداء مسؤولياتهم المباشرة المقبلة، او للوفاء بمتطلباتهم الإنجازية يتوقعونها.. ولكن الأمور اختلفت "رأسا على عقب" مع طروء العولمة.

فالفرد الناجح في عصر العولمة هو مثقف يعرف أو يمتلك شيئا من كل شيء.. دون التخصص الدقيق الواحد. فرد يندمج في الاجتماعات المدنية للناس، ويرى ويسمع ويفهم ويشارك فيما يدور حوله في البيئة،، دون الآخر المنعزل في"صومعته" أو "برجه العاجي" بعيداً عن الواقع المتغير في كل لحظة كما هو الأمر حالياً في زمن العولمة وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات الرقمية، وما يرافقها من رياح التغييرالعاصفة أحياناً في كل مناحي الحياة بما في ذلك نشر الديمقراطية، قسراً أو عنفاً أحياناً..

أما الناحية الثانية التي لم تساعد التربية الحالية التقليدية في تحييد آثارها السلبية في الشخصية المدنية هي: الشك أو الريبة ثم عدم الاكتراث بما يجري مع الناس أو في واقع الحياة اليومية. فالتعليم المدرسي الذي يقضي معظم وقته في تحصيل الناشئة لمعلومات أكاديمية بحتة محدودة الجدوى السلوكية في الواقع، وبأساليب إملائية مباشرة غالباً، وبتشجيع مبدأ المنافسة الشخصية المُطعمّة بالغيرة والحسد بين أفراد التلاميذ.. دون الانفتاح على معلومات وخبرات متنوعة أخرى من داخل المدرسة والبيئة الاجتماعية ومن خارجها العالمية المحيطة.. يبقى قاصراً عن بناء الشخصية المدنية القادرة على أداء السلوك المدني.

لقد كتب احد الاعلاميين6 في تقرير صحفي عن وضع الطلبة في احد الجامعات الامريكية المعروفة في الشرق الاوسط، قائلاً: " تَصوّر ان الطلبة في جامعات امريكية رئيسية لا يعرفوا القراءة والكتابة بالانجليزية.. ان مثل هذا لا يَقبل التصديق، ولكنه الواقع لدى الكثير من الطلبة الدارسين في الجامعات الكبرى في الوطن العربي.

كما لوحظ في الجامعة الامريكية – القاهرة، ان اعدادا قليلة من الطلبة يستطيعون القراءة والكتابة بمستوى متقدم في العربية، بينما يلاحظ بالمقابل معظم الطلبة معنيين بالموضة والازياء اكثر من الدراسة. فشالات الرأس الاجنبية وأحدث  ماركات النظارات الشمسية تراها على نطاق واسع في الحرم الجامعي. وعندما حاولت (أي المصدر الحالي) التحدث بالعربية جاءت الردود بالانجليزية!

وبينما تسمع كثيرا من الطلبة كلمة: ميرسيMerci  ورنين الموبايلات المشغولة باستمرار، فانك لا تلاحظ اشارة تذكر لرغبتهم في تعلم التاريخ والثقافة العربيين!! لقد وجدت طلبة درسوا التاريخ الاوروبي ويستطيعون التحدث والكتابة بالفرنسية والانجليزية، ولكن عندما سألتهم عن الاعلام المصري وسنة الثورة المصرية واجهت للاسف نظرات مستغربة خالية من أي اجابة. ان نظام التربية العربية يحتاج الى كثير من الاصلاح، ولكن لسوء الحظ فان معظم الحكومات العربية ترى مهارات التفكير الناقد خطراً على انظمتها ."
 وكتب مصدر آخر7 موجزاً حال التربية العربية في النقاط التالية:

1- " تتبنى البلدان العربية سياسات تربوية مختلفة وأنظمة وطرقاً متعددة ،، الأمر الذي يؤدي الى عزل هذه البلدان عن بعضها ويضعف من روابطها الثقافية والادراكية ويقلل من تبادل القدرات والخبرات المفيدة في عمليات التنمية الوطنية الشاملة.

2-  فشل عدد من المناهج التربوية في تجسيد التطورات والاساليب المعاصرة وفي مواصلة التحديث بما يتمشى مع التطورات التربوية الدولية.. الامر الذي عمّق الفجوة بين التربية في البدان العربية ونظيراتها العالمية المعاصرة.

3- كثرة أعداد المدرسين ذوي الكفاءات الضعيفة. فقد جاؤا الى كليات التربية بتقادير تحصياية ضعيفة من انظمة تعليمية تعتمد التذكر والتسميع،، وبعيدة كل البعد عن التفكير الناقد والابداع.. الامر الذي ينعكس مباشرة على اساليب تعليمهم بالضف والفشل.

4-  غياب البيئات المدرسية الكافية لعمليات التعلم والتعليم في عدد من البلدان العربية من حيث الأبنية والغرف الصفية والتجهيزات المعملية والفرص البناءة لحرية التعبير،، ناهيك عن الادارات المركزية غير المستنيرة المتزمتة التي تحكم هذه المدارس وتُعرقل مسيرة التقدم في العديد من نواحي الشأن المدرسي.

5- استفحال مشكلة الامية في عدد من البلدان العربية وعدم قدرة هذه البلدان لدرجة كافية في التغلب عليها، بالرغم من الجهود والمبالغ الطائلة التي ترصد لها أحياناً."( والتي تضيع في الواقع نتيجة المحسوبية والفساد،  والهدر في غمرة السوء الاداري وعدم الاحساس الوطني بأهمية التربية في التغيير وبناء الانسان).

إن القضية الشائكة الرئيسة التي تعاني منها التربية وتعاملها التربوي، ولم يدركها العديد من المشتغلين في العمل التربوي نظراً لدقتها العلمية،،  تتمثل في التعارض النفس اجتماعي بين رسائل حاجات الافراد ورسائل الاتصال السلوكي للاستجابة لهذه الحاجات. بمعنى، أن يحتاج الفرد لنموه الشخصي والسلوكي شيئاً وتغذية البيئة له بشيء آخر مختلف، أو تقاعسها كلياً أو جزئياً في عملية التغذية المطلوبة من حيث النوع أو الكم أوالكيف او التوقيت. ومن هنا يلاحظ دائماً في مثل هذه الأحوال عدم وصول أي طرف منهما: مستقبلاً ومرسلاً، لأية نتيجة تذكر ذات جدوى لبقائهما أو للتقدم والتفوق8.

إن ما تحتاجه التربية في تعليمها بصفة عاجلة هو رفع درجة القواسم النفس اجتماعية المشتركة بين ما تحتاجه هي في الفرد وما يحتاجه الفرد في نفسه لنسبة 50% فأعلى. وكلما ارتقت التربية في قيم القواسم السلوكية المشتركة التي تجمعها مع الناشئة، أمكن بالتالي تقليص الفجوة النفس اجتماعية التي تفصل الأفراد والجماعات والمؤسسات عن بعضها في الاجتماعات المدنية اليومية بهدف البقاء والتقدم. بمعنى، كلما اقتربت التربية المدرسية والجامعية اكثر من حاجات المتعلمين، أمكن بالنتيجة رفد المجتمع بأجيال مدنية قادرة على التصرف السليم في الزمان والمكان المناسبين.

 إن التربية المدرسية الراهنة بجماعيتها وسلبياتها المتنوعة العديدة، وتَمسّكها غير الحميد بمنهجية اكاديمية أفلاطون قبل حوالي 2500 سنة، دون مواكبة تربوية تذكر لحركة ومتطلبات العصر،، تجعل كلها مُلّحاً في عصر العولمة الآن التحوّل الى نوع آخر من العمل المدرسي هو: تربية مدنية متوافقة مع حاجات الناشئة ومتطلبات العصر والمجتمع العالمي الذي تعمل فيه.. مرنة ومتسامحة وموضوعية، تتبنى باقتدار عدالة التوزيع في الحقوق والواجبات مبدأًً وممارسةً يومية لها في تعاملها مع المتعلمين، وفي تعامل المتعلمين مع بعضهم، وفي الانشطة والخبرات التربوية اليومية التي تقدمها لهم، ثم في التعامل المدني لكوادر المجتمع المدرسي معاً أفراداً وجماعات.

لقد اصبحت التربية المدنية مطلباً هاماً لدى العديد من الجهات الرسمية والشعبية بحد سواء. ففي منظومة الدول الشرقية، وبالرغم من الصعوبات الإيديولوجية والثقافية التي ورثتها عن حقبة الاتحاد السوفيتي السابق، فيبدو ان المطلوب بصفة ملحة الآن هو نشر وتعميم التربية المدنية لرعاية مفهوم وممارسة الديمقراطية وما تعززه من سلوك مدني. وهكذا الامر في أقطار عديدة أخرى9.  إن محتوى وأساليب تطبيق هذه التربية المدنية منهجياً في التعليم المدرسي نقدمها في فقرات تالية من هذا العمل العلمي.

توضيح عام لمفهوم وممارسة التربية المدنية

 إن التربية المدنية هي عملية مستنيرة منفتحة، وهادفة سلمية لتنشئة الإنسان. يعرف نتيجتها الفرد نفسه والآخرين، ويَعي ما له وعليه من حقوق وواجبات، ويشارك في الاجتماعات المدنية للناس بدور فاعل بناء، يوفق بين مصلحته الشخصية والصالح العام، بقليل من الأنانية أو التعارض.

والتربية المدنية التي نتحدث فيها بهذا العمل العلمي هي نسبياً ليست جديدة،، بل هي قديمة قدم نشأة الحضارة الإنسانية على الأرض. فقد مارست أمم التاريخ القديم بدرجات متفاوتة مبادءها وسلوكياتها ميدانياً بآلاف السنين قبل الميلاد كما كان الحال مع  المصريين والبابليين واليونان والرومان والايطاليين والصينيين والهنود ثم العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي10.

وإن مبادئ وأخلاقيات وسلوكيات هذه التربية المدنية في العصور الحضارية السابقة لا تزال صالحة وفاعلة لتوافق الناس ولسلوكهم المدني واستقرار وتقدم الإنسان. ولكن الذي تَغيّر عليها وربما يقف حائلاً أمام تطبيقاتها الآن (نفسياً ولغوياً غالباً) هو طبيعة العصر الذي نعيشه آنياً بالعولمة ومجتمع المعرفة والتكنولوجيا الرقمية للاتصال والمعلومات،، وتحوّل العالم إلى قرية واحدة صغيرة بالرغم من إختلافها في الأعراق، وما يرافق ذلك من انسياح المعارف والثقافات واللغات المتنوعة عبر الحدود.. الامر الذي يتطلب بالضرورة مخاطبة الناشئة المدرسية بلغة جديدة بمفهومها ومحتواها، وباستعمال أساليب ووسائل تقنية معاصرة تساعدهم على الادراك بصيغ قريبة للفهم ولواقع حياتهم وحاجاتهم الإنسانية والمهنية أكثر.

والآم الذي يحسن تأكيده هنا هو ان التربية المدنية التي نطرحها في هذا العمل العلمي ليست محلية عنصرية أو قصيرة النظر في أهدافها وتوجهاتها،، كما هي ليست عالمية (بحجة العولمة) تعمل على اذابة الهوية الثقافية للأفراد والجماعات الوطنية في سبيل الحصول بالمقابل على أناس مُتنكرين لجذورهم العرقية والحضارية بالانفتاح  دون حدود أو معايير على الخارج بالسفر والعمل وتغيير الجنسية أو المواطنة حسب الظروف أو الأحوال او الأهواء الشخصية – البيئية .

فالأولى المحلية المنغلقة تفرز أفراداً وجماعات أنانيين ومتزمتين يجترون الماضي عبر دائرة حياتية مفرغة.. يعيشون نتيجتها على هامش الحضارة العالمية المعاصرة (بايجابياتها ونواقصها). أما الثانية العالمية فتؤدي الى أفواج من الناس الرحّالة اللذين يفتقرون الانتماء والولاء لأي أحد أو جهة عبر البيئات العالمية المفتوحة،، لكونهم في الأصل لا يمتلكوا الانتماء والولاء أو الوفاء لأنفسهم ولأصولهم العرقية – الحضارية.. حيث في كلتي الحالتين المتطرفتين المحلية والعالمية، يبدو الانسان والمجتمع والدول الوطنية ونظرية / حركة العولمة خاسرين في أشياء نفسية وسلوكية ومادية حياتية واستراتيجية عديدة.

إن التربية المدنية التي نقصدها هنا تزرع بالمقابل في الناشئة:

1-      مفهوم وممارسة المواطنة الصالحة بحقوقها وواجباتها المتوازنة: خاصة وعامة ثم محلية وعالمية،، بدل الاكتفاء بوثيقة (التابعية) أو"الجنسية" أو "هوية السفر للناس". أي ان التربية المدنية تنتج مواطنين يتصرفون بفلسفة وأخلاقيات الاستقلال المشترك the Inter-independence.. وقادرين على المحافظة على خصوصياتهم الثقافية التي يعملون بجدٍ على تطويرها وتحسينها إلى أقصاها، بينما يحترمون خصوصيات الأمم الأخرى ويشاركونهم نجاحاتهم لمزيد من التقدم،، كما لا يخجلون من صعوباتهم ومن مناقشتها مع الآخرين لتلافيها واختصار معاناتها. إنها تربية عملية تُربي الناشئة في الحاضر الآن ولكن بعين مفتوحة على انجازات وخبرات الماضي وأخرى على حاجات وتطلعات المستقبل.

2-      سلوكيات الشخصية الاجتماعية المدنية، المكونة من سبع تصرفات تتدرج استقرائياً من الحياد في التعامل مع الناس بالتعايش الى التكيف والتقدير والتعاون والمشاركة فالى إقتران مصير الفرد او الجماعة في مصائر الآخرين بالاندماج.

3-      قيم وممارسات الديموقراطية المتوازنة.

4-      قيم وممارسات الحقوق المدنية للانسان.

التربية المدنية حق طبيعي لكل إنسان

  لقد حظي الحق في التربية والتعليم بانتباه بالغ من أصحاب القرار أو  المشرعين على المستوى الدولي: مختصين ومؤسسات. فقد تناولت التشريعات والاتفاقيات الدولية التالية حقوق الإنسان في التربية، بلغة مباشرة وقوية وقابلة للقياس ثم محاسبة أي جهة تناقض هذا الحق بما في ذلك الأسر المعنية مباشرة في الاصل بمستقبل الأبناء في هذا الاطار. نقدم هنا للذكير العينة التالية:

·         الاتفاقية الخاصة بجماعات القبايل وسكان البلاد الأصليين عبر العالم.

·         الاتفاقية الخاصة بالحدّ من كافة أشكال التمييز ضد المرأة.

·         الاتفاقية الخاصة بالحدّ من التمييز العرقي.

·         الاتفاقية الخاصة بأنواع العمالة الممنوعة للأطفال.

·         الاتفاقية الخاصة بمعدل العمر المقبول للعمل (من الأطفال خاصة).

·         الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل.

·         الاتفاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

·         الاتفاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

·         الاتفاق الدولي الخاص بالحدّ من جميع أشكال التمييز العرقي.

·         اتفاقية اليونسكو ضد التمييز في التربية والتعليم. 

·         الإعلان العالمي  لحقوق الإنسان.                                     

ولتوضيح حق كل إنسان في التعلم عموماً والتربية المدنية خاصة، نتناول في ذلك أربعة جوانب متكاملة لهذا الحق الطبيعي، وهي: الحق في توفر التعليم، الحق في الوصول لفرص التعليم (أي الانتساب إلى مؤسساته وبرامجه دون تمييز أو موانع من أي نوع) والحق في جودة التعليم، ثم الحق في مناسبته لحاجات المتعلمين. وفيما يلي موجز التوضيح11.

1- الحق في توفر التعليم  للناشئة     

    إن توفر التعليم الابتدائي (الأساسي) يجب أن يكون حراً وإجبارياً من جميع الدول ومؤسساتها التعليمية المدرسية وذلك بحسب  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.  والسبب الرئيسي وراء هذا التأكيد على حق التعليم هو العلاقة الوثيقة الملاحظة عموماً بين المستويات الدنيا للتعليم وبين الفقر على مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات. والجدير بالتنويه هنا هو أن حق التعليم قد منح الأسر أيضاً قرار اختيار نوع ومؤسسة التعليم التي تناسبها ولو تتطلب الامر التخلي عن التعليم المدرسي المؤسسي لصالح آخر مثل التعليم المنزلي أو الالكتروني على الانترنيت.

2- الحق في الوصول الى فرص التعليم 

     يؤكد هذا الحق على الحدّ من جميع أشكال التمييز التي تفضل عرقاً أو لوناً على الآخر، أو تمنع نوعاً من فرص التعليم عن فئة لصالح أخرى. إن الطبقات الفقيرة أو الجماعات الملونة، أو التي لا تنتمي لعرق أو حزب او توجّه سياسي محددين، أوأفراد الناشئة المعاقين الذين يواجهون تمييزاً في القبول لمؤسسات التعليم المدرسي في عدد من الأقطار العالمية هم المعنيون أساساً بهذا الحق.

3- الحق في جودة التعليم

    يؤكد هذا الحق كما يشير العنوان على نوعية الفرص التعليمية وارتباطها المباشر بخبرات وحاجات وخصائص التلاميذ المتعلمين جميعاً دون استثناء. وحتى يمكن ضمان حق جودة التعليم للجميع، تحثّ الاتفاقات الدولية المعنية على إحداث معايير تربوية في هذا الاطار لقياس مدى إتاحة الممارسات المدرسية الميدانية لفرص التعليم واستجابتها لحاجات جميع المتعلمين.

4- الحق في مناسبة التعليم لحاجات المتعلمين   

تنص دساتير حقوق الإنسان الخاصة بالتعليم في هذا الجانب على ضرورة  تكييف الفرص التعليمية والبرامج والمدارس لحاجات المتعلمين كما يعيشونها في الواقع. وهنا يحق للأسر والجهات الأخرى المعنية بالتعليم الاختيار من بدائل مدرسية أخرى مثل التعليم المنزلي أوالتعليم المدرسي الخاص أوالتعليم بمدارس دينية أو بمدارس مختلطة او الكترونياً على الانترنت في حال عدم مناسبة التعليم المدرسي العام لحاجات المتعلمين.

آليات استيعاب التربية المدنية للمواطنة والديموقراطية وحقوق الانسان

في عصر العولمة

تكمن نقطة التفاؤل بخصوص نجاح التربية المدنية في إعداد الناشئة ميولاً وإدراكاً وفي استيعاب العولمة والتعامل المفيد مع تطبيقاتها،،  في كون المدرسة وكيلة المجتمع رسمياً لنقل المعرفة والقيم وتعليمها المنهجي للأجيال المتعاقبة عبر المراحل المدرسية المتتابعة. وهنا، لا يحتاج الامر سوى قرار سياسي شجاع من ادارات التربية الرسمية من أجل تشريع التربية المدنية في البرامج المدرسية المقررة ومن ثمّ تخطيط وتطوير المناهج المناسبة وتعميمها ميدانياً للتداول من المعلمين والمتعلمين.

     والمدرسة بمعايشتها للتطورات المتنوعة التي تُحدثها حركة العولمة في حياة العصر من حيث12:                           

·   الانفتاح السياسي ونشر الديمقراطية سلماً أو عنفاً،

·   والاقتصاد الحر وانسياب السلع والمعلومات والعمالة والتكنولوجيا والأفراد والأفكار والأخلاقيات والثقافات والأديان،

·    وتعميم حقوق الإنسان والتأكيد على حقه في المواطنة بدل(التابعية او الجنسية)،

·    وتدّخلات الدول (المتنفذة) والمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي والأمم المتحدة في شؤون الدول الوطنية بحق أو بدونه (بحسن أو بسوء نية)،

·   والظهور القوي لمؤسسات المجتمع المدني لأداء خدمات هي تقليدياً من واجبات الحكومة المحلية،

·    وتحرير حركة التجارة وانهيار قيم العملات الوطنية والتذبذب الطارئ (ارتفاعا في الغالب) في أسعار الخدمات والسلع والمواد الاستهلاكية،

·   وتوجه المؤسسات الإنتاجية المحلية للتصدير بدل طرح منتوجاتها في السوق المحلي،

·    وتخصيص المؤسسات الرسمية كلياً بالبيع أو بفرض رسوم على الناس للاستفادة من خدماتها،

·    واعتماد الحكومات المحلية على المعونات ورؤوس الأموال الأجنبية لتمويل مشاريعها واقتصادياتها وإطعام مواطنيها أحياناً.

جعلت كل هذه التغيرات العالمية والمحلية الحادة، والمتناقضة في وسائلها ونتائجها على المواطنين والدول الوطنية،، المدرسة وما يمكن أن تقوم به من تربية مدنية واجباً حاسماً في:

·   تطوير ناشئة متوازنة إدراكاً وميولاً، ومثقفة تعي ايجابيات وسلبيات العولمة والقوى الأخرى المرافقة لها التي تتسلل عبر الحدود الوطنية لتحقيق مآرب عدوانية أنانية أو سلمية إنسانية في عدد من الحالات،

·   تطوير ناشئة قادرة على استقبال مفاهيم ومبادئ وأساليب العولمة والمعلومات وتكنولوجيا الاقتصاد والثقافات والابتكارات العلمية،

·   تعريف الناشئة المدرسية بمعطيات العولمة، وإعدادهم بآراء وميول ومهارات للوقاية من مخاطر التعرض إليها، الأمر الذي يؤهلهم هذا التعليم المدرسي المدني في النهاية للتكيف البناء مع أنفسهم والبيئة الوطنية المحلية ومع البيئات العالمية، والتعامل الواعي معها بصيغ بناءة لهم جميعا:أفراداً ومواطنين ومجتمعات محلية ودولية على السواء. إن مبادئ ومحتوى وأساليب ونتائج هذه التربية المدنية نوضحه بدرجة من التفصيل في هذا العمل العلمي.

·   تمكين الناشئة من دراسة صلاحيات وتطبيقات معطيات العولمة في البيئة المحلية والمناهج الدراسية لتعلم التلاميذ/الطلبة، وتحديد الفاسد أو الذي يشكل خطورة على مواطنة المتعلمين وهويتهم الثقافية المحلية وعلى أسس الاستقرار الاجتماعي.

    ولكن تعليم الناشئة لهذه الكفايات الهامة لفهم وممارسة الديمقراطية والمواطنة وسلوك الحقوق المدنية، تبدو صعبة أو مستحيلة المنال خاصة في البلدان النامية لعدة أسباب نلاحظها في الواقع: غرباً وشرقاً، وهي13:

1- إن المناهج المعتمدة تفتقر نظريا وتطبيقيا لهذه الكفايات،، أو جزئياً بتعليم الناشئة بصيغ نظرية متفرقة بعض مفاهيم المواطنة، لكن دون متابعة تحصيلية وسلوكية تذكر لها،،  حيث مناهج أو مقررات مادة "التربية الوطنية أوالقومية" هي مثال مباشر على هذا القصور التربوي.

2- إن المعلمين من ناحية لم يتعلموا في الأصل أثناء إعدادهم في المعاهد والكليات هذه الكفايات،،  ومن ناحية أخرى يبدون مدرسياً منشغلين في التحصيل الأكاديمي ونوع التقادير التي يمنحونها للتلاميذ/الطلبة (بحق أو بدونه).. بفعل ثلاث ضغوطات خطرة على نمو وتوافق الشخصية والسلوك المدني للمتعلمين وهي:

* استعطاف التلاميذ للمعلمين من أجل تقادير أعلى، أوابتزاز الطلبة في المدارس الثانوية والجامعات بشتى الطرق الملتوية، للحصول على تقادير مقنعة لأسرهم أو/ وللقبول في مراحل دراسية أو تخصصات يريدونها.

* إلحاح الأسر حينا وتهديدها أحيانا أخرى بإلحاق الأذى الوظيفي للمعلمين..إذا لم يحصل الأبناء على التقاديرالتحصيلية التي تعزز سمعتهم الاجتماعية المحلية أو تضمن لهؤلاء الأبناء الانتقال إلى مرحلة أعلى أولعمل مطلوب لهم.

* ملاحقة الإدارات المدرسية والجامعية للمعلمين نفسيا بصيغ ملفوظة، أو مكتوبة بالاجتماعات التحذيرية، أو بالخطابات المكتوبة، أو بطرق مبررة أكثر بإدارة استطلاعات لآراء التلاميذ/الطلبة حول كفاية المعلمين الأكاديمية، أو باجراء أدوات تقييم للمعلمين في هذا الإطار.

وبالطبع يدرك المعلمون في المدارس والجامعات خطورة هذه الإجراءات التقديرية على مستقبلهم الوظيفي..  فيضطرون معها الى الاهتمام وبذل جهود تعليمية أكثر، أو في أحيان عديدة ملاحظة أخرى: منح التلاميذ تقادير تحصيلية أعلى (بكثير أحيانا) مما يستحقونه لتمرير أو تحييد النتائج السلبية المحتملة لهذه التهديدات الوظيفية... أما المدارس والجامعات الخاصة منها.. فتسعى من جرّاء الضغوط الوظيفية على المعلمين لحثهم على اعطاء تقادير أعلى، من اجل تحسين سمعتها التعليمية في البيئة والاحتفاظ بأعداد الدراسيين فيها، وجذب أعداد إضافية أخرى لزيادة المردود المادي الذي تأسست منذ البداية من أجله.

ونتيجة الأسباب أعلاه يبدو المعلمون منشغلين لدرجة زائدة في التعليم المنهجي المقرر وبالطرق التي يمكن بها منح تقادير أعلى لتلافي التهديدات الاجتماعية والمدرسية لمستقبل استقرارهم  الوظيفي.. الأمر الذي يُرضي بعض الأهالي أو يُغضبهم حينا ثانياً عند حصول الأبناء على تقادير لا يستحقوها.. لدرجة تدفع البعض إلى اللجوء إلى القضاء والمحاكم للشكوى ضد هذا "الخداع المدرسي".

ولكن النتيجة الخطرة والمؤسفة أكثر في آن من كل الضغوطات والالتواءات السلوكية آنفا، هي إفرازاتها من ضعف التوافق الشخصي والسلوك غير المدني لدى الناشئة على المستويات الاجتماعية والمدرسية المتنوعة، مؤدياً في النهاية إلى سوء فهم وممارسة الديمقراطية والمواطنة والحقوق المدنية للناس:أسراً ومؤسسات ومواقف يومية أخرى.

إن المطلوب فوريا وبدرجة ملحة لإنتاج الإنسان المدني القادر على التعامل ديمقراطيا مع نفسه والبيئة،، هو دمج مفاهيم وسلوكيات التربية المدنية في المناهج المدرسية، مؤدياً ذلك الى تغييرات إصلاحية جذرية في هذه المناهج،، تبدو في العينة التالية14:

1-  برامج إعداد المعلمين في المدارس والجامعات  بحيث تحتوي نظرياً وتطبيقياً على مفاهيم ومهارات تعليم الديمقراطية السلمية والمواطنة الصالحة للمتعلمين.

2- مناهج التربية المدرسية والجامعية بحيث لا تنحصر في مواد أو مقررات متخصصة بموضوع الديمقراطية والمواطنة الصالحة والحقوق المدنية.. بل أكثر وأفضل تربوياً هو دمج المفاهيم والممارسات الديمقراطية والمدنية في المقررات المتنوعة للاجتماعيات والدراسات الدينية واللغات والرياضيات والعلوم والكمبيوتر والمعلوماتية وغيرها،، وذلك بدءا من رياض الأطفال وانتهاءاً بالدراسات الجامعية العليا.

3- برامج وفعاليات الإعلام المكتوب (بالصحف والمجلات) والمرئي (بمحطات البث الفضائي) والمسموع (بالإذاعات)،، بحيث تكون أكثر ديمقراطية في فكرها وميولها وسلوكياتها اليومية، ومدنية غير متناقصة أو عنصرية منحازة أومسمومة في بعض الأحيان أخرى.

إن تبني وتنفيذ الإصلاحات أعلاه في الواقع يحتاج إلى قرارات سياسية أولاً ثم كفايات مهنية علمية ومستنيرة لتخطيط وتطوير وإدارة ومتابعة المناهج والبرامج المطلوبة.. بعيداً عن المنافع الشخصية أو مناورات الفساد الملتوية قصيرة النظر والأخلاق في آن.

التربية المدنية وتعليم المواطنة المدنية

ان المواطنة المدنية هي صفة نفس اجتماعية يكتسبها الافراد والجماعات بالملاحظة والتقليد والتدريب والتعلم  لتأسيس مواقع أدبية ومهنية واجتماعية بناءة لهم في الاجتماعات اليومية للناس،، ثم هي أيضاً صفة رسمية يحصلون عليها تلقائياً بحكم الانتماء العرقي والجيوثقافي للبيئة ونتيجة التفويض الشعبي الذي منحوه للحكومة/الدولة الوطنية للادارة والحكم.

أما مفهوم وممارسة المواطنة المدنية في البلدان النامية، فتبدو مُغيبة حيناً ومنقوصة مشوهة حيناً ثانياً، أو مِنّة تمنحها أو تحجبها وقتما ولأي أسباب تشاء. ولا سبيل لتغيير هذا الوضع الشائك الاّ بتعليم معارف وميول وقيم المواطنة واستنبات مهاراتها السلوكية لدى الشبيبة بالتربية المدنية المنظمة كعنصر منهجي اساسي في التربية المدرسية اليومية.

وبالطبع يحتاج الموضوع الى قرار تربوي سياسي مستنير،، الامر الذي يبدو ممكناً فقط عندما تُغير الحكومات الوطنية في البلدان النامية من مفاهيمها المغلوطة وسلوكياتها الملتوية تجاه المواطنة والمواطنين.. وقد يأخذ هذا بعض الوقت، ولكن التغيير قادم لا محالة.

مفهوم المواطنة المدنية

تَتعدّد مفاهيم المواطنة15 من فلسفة وبيئة اجتماعية إلى أخرى. فتعني المواطنة مثلا: المشاركة السياسية حيث تكون بأي سلوك مقصود أوعفوي يؤثر أو يحاول التأثير في الحالة الجارية لقيم المجتمع أو تدريب الناس على معارف ومهارات وميول  تعتبر متطلبات مسبقة للمشاركة الفعالة في الحياة المدنية.. أو تطوير مواطنين ناضجين يستطيعون دعم وتنفيذ الأعمال السياسية المناسبة المفيدة لتقدم الاهتمامات الذاتية بينما يدققون في الاتجاهات الأخرى طويلة المدى ضمن أطر الصالح العام للمجتمع. كما يُنظر الى المواطنة على أنها المشاركة في الشؤون المدنية بخبرات الحياة الفردية، وإن المواطن الديمقراطي هو شخص عادي (غير رسمي) متمكن من عمليات المجتمع الحر، الملتزم بقيم ومبادئ الديمقراطية. يستعمل المواطن الديمقراطي في مشاركته في العمليات الاجتماعية، الطرق التالية:

1-التصرف المدني من المواطنين، مثل قيامهم بتأييد القضايا العامة والدعاية لها ومناصرة الشأن العام والاعتراض أينما ناسب ذلك.

2-المشاركة المدنية المُوجّه من الحكومة الوطنية لتحسين ودعم القرارات والبرامج أوالخدمات العامة.

3-المشاركة في التزامات رسمية مثل:دفع الضرائب وواجبات القضاء والدوام المدرسي والوظيفي.

4-المشاركة الانتخابية الموجهة من الحكومة الوطنية حسب القانون لاختيار الممثلين والتصويت على قضايا عامة.

5-المشاركة التطوعية كالمساهمة في جمعيات العمل الخيري. والتنظيم الاجتماعي، وحملات محوالأمية، ورعاية الصحة العامة.

أما سلوكياً فيعني مفهوم المواطنة ثلاث مسؤوليات هي16:

1- امتلاك حق الإقامة الشرعية في دولة محددة.

2- المشاركة في الحقوق والواجبات الممارسة من مواطن الدولة مثل المشاركة في الأعمال الاجتماعية العامة وفي بناء المجتمع باعتبار القيم والرؤى والطموحات الاجتماعية ورعاية العلاقات المشتركة.

3- ممارسة الديمقراطية في المشاركة الوطنية والحكم والسياسة اليومية للمجتمع،، على غرار (ولكن ليس بنفس الحرفية) مبتكريها الأوائل:اليونانيون الأثينيون قبل حوالي 2500 سنة من الألفية الثالثة الحالية. تتصف هذه الديمقراطية بأربع قيم أساسية هي:

* يتمتع جميع الناس بقيمة إنسانية مطلقة بالتغاضي عن أعراقهم أو دياناتهم أو ثرواتهم..

* إن العقل والضمير معاً بحكم "حسن التقويم الذي منحه الله" وبالتربية المدنية،  هما المُوجّهان للسلوك الإنساني.

* يمتلك الناس خصائص فطرية أساسية يجب احترامها.

* إن الحرية الشخصية هي مطلب أساسي لكل الناس ولا يجب أن يُقيّدها سوى التعارض مع العدالة الاجتماعية والأخلاقيات العامة. إن عينة من هذه الحريات المتعارف عليها في المجتمع الديمقراطي مثل:

_حرية الكلام.

_حرية التعبير.

_حرية امتلاك الأشياء.

_حرية الحركة.

_حرية العبادة.

_حرية المعتقد السياسي.

_حرية الاجتماع/التجمع.

_الحرية من الاعتقال.

هذا ويجدر التأكيد، بأن جميع هذه الحريات تجب ممارستها من الأفراد والجماعات ضمن النظام الاجتماعي العام والاحترام الكامل للقانون.. آخذين في الاعتبار أثناءها المسؤوليات الخلقية والعدالة الاجتماعية التي تحفظ للناس كرامتهم واستقرارهم الحياتي، والصالح العام لأهدافهم في الحاضر والمستقبل.  

كفايات المواطن المدنية

اقترح ريميRemy  سبع كفايات عملية للمواطن المدني، تبدو بالتالي17:

1- تحصيل واستعمال المعلومات المفيدة مع مهارات تحديد علاقات ومواطن التأثير المتبادل بين هذه المعلومات عند التطبيق.

2- تقدير المشاركة في المواقف المدنية للناس وأداؤها الهادف في المكان والزمان المناسبين.

3- صناعة القرارات الخاصة بإدارة الجماعة ومشاكل المواطنة والحقوق المدنية.

4- إصدار الأحكام ويشمل:تطوير واستعمال المعايير الخاصة بمبدأ العدالة والأحكام الخلقية والعملية عند الحكم على الناس والمؤسسات والسياسات والقرارات التي يتم اتخاذها.

5- توصيل الأفكار للمواطنين الآخرين ولصانعي القرار والقيادات الرسمية.

6- التعاون عند العمل مع الآخرين في مجموعات وتنظيمات لتحصيل أهداف مشتركة، مع القدرة على التفاوض والإقناع وعقد الصفقات وحل النزعات.

7- الاقبال الجاد على العمل مع المؤسسات الإدارية من أجل حماية وتحسين الاهتمامات والقيم الفردية.

المدرسة هي وكيلة المجتمع في تربية المواطنة المدنية

إن التعليم المدرسي بدءاً من رياض الأطفال وانتهاء بمؤسسات التعليم العالي لا يزال المصدر الأساسي لتطوير للتلاميذ/الطلبة اجتماعياً الى مواطنين مدنيين في الحاضر والمستقبل، وإعدادهم جميعاً بالتالي للتصرف المدني في مواقف الاجتماع الديمقراطي للناس.

والمدرسة18 هي وسيلة المجتمع لتربية أفراد الناشئة بالشخصيات المتوافقة سلوكياً التي يطمح إليها المجتمع من أجل استقراره وتقدمه. فالمدرسة بهذا مصنع المجتمع لإنتاج أجيال مدنية في فكرها وميولها وتوجهاتها السلوكية. ولا تستطيع المدرسة التقليدية الراهنة القيام بهذه المسؤولية الإستراتيجية، سوى بإعادة بناءها بشرياً ومادياً ونفسياً وتربوياً بحيث تصبح بمجتمعها التعددي نموذجاً للتربية المدنية الديمقراطية.

يجب أن تركز تركيبة وتنظيم المدرسة مع كوادرها الإدارية والتعليمية والمتعلمين والمناهج وآليات القياس والتقدير التربوي والمناخ الإداري والنفسي للمدرسة، على تحقيق هدف كبير، وهو: تطوير الخصائص العامة للتلاميذ/الطلبة المواطنين المدنيين الصالحين لأنفسهم ومجتمعهم.

ويُتوقع أن يعيش ويتعلم التلاميذ/الطلبة في معمل حي (واقعي) من الديمقراطية بدءاً بالمراحل الأولى من تعليمهم المدرسي، إذا أريد من مبدأ التعددية في الناس والأفكار والميول والسلوك الانتعاش والتقدم. يجب أن تتحول المدرسة الى مؤسسة ديموقراطية نشطة.. وأن أدوار المعلمين يجب أن تتوافق مع المتطلبات الأساسية لمواطنة التعددية. أما التلاميذ/الطلبة فيجب أن ينظروا إلى معلميهم كنماذج حية ينسخون عنها ما يريدون لشخصياتهم في المستقبل ولحاجاتهم كأفراد مهتمين شخصياً بالصالح العام لمجتمعاتهم المحلية.  كما يجب أن يشتغلوا على مشاريع ذات طبيعة عامة أو مدنية في طبيعتها ويعرفوا التطورات الجارية في مناطق أخرى من العالم، وأن يكونوا قادرين على مناقشة وحوار القضايا المدنية العامة مع أقرانهم المدرسيين ومع القيادات والمهتمين في البيئة المحلية.

ويحتاج المعلمون أن يكونوا واعين للعوامل التاريخية المقررة للمواطنة المدنية الديمقراطية حتى يعتادوا البيئة التعليمية التي يعملون فيها ويمتلكون رؤية واضحة لما يجب مواجهته من معيقات تربوية أو لتحسين الوضع المدرسي من أجل تربية المواطنة الديمقراطية لدى التلاميذ/الطلبة.. حيث تبرز أخطر مشكلة في هذا الاطار وتجب معالجتها بصفة فورية طارئة من المعلمين، وهي: إعتماد التعليم المدرسي الراهن على التكرار والتسميع والتعلم للتذكر، دون التركيز على التعليم الناقد للمفاهيم وحل المشكلات والمشاركة الفعالة للمتعلمين في الحوار والإقناع وإنتاج المعرفة والمساهمة بها لصالح الفرد والأسرة والمجتمع.

    والمدرسة بمفردها لا تستطيع تطوير التلاميذ/الطلبة المواطنين المدنيين. إن المدرسة والمجتمع معاً هما القادران على تحقيق هذه المهمة الإستراتيجية التربوية. وفي هذا السياق يجب أن تبادر المدارس والمجتمعات المحلية المحيطة بتقدير ثقافاتها التربوية الجارية. فيسألا على سبيل المثال:لأي درجة ترعى السياسات والممارسات المدرسية عوامل وعمليات، مثل:

1-التطبيقات البيئية الصحيحة.

2-الإحساس بحقوق الإنسان.

3-احترام أفكار وآراء الآخرين.

4-علاقات عمل يسودها التعامل والمشاركة البناءة.

5-الاتصال اللحد من المفتوح والحل السلمي للنزاعات.

6-المشاركة والاندماج النشطين في شؤون المجتمعات المتنوعة محلياً وعالمياً.

ومن هنا، يتوقع من المدرسة19 تبني السلوكيات البيئية المستنيرة في تعاملاتها ومسؤولياتها اليومية من حيث ترشيد استعمال المياه والطاقة والمصادر البيئية الأخرى وإجراءات عَدْم وتدوير وإعادة تصنيع المواد المستهلكة للحدّ من التلوث وحماية مدروسة أكثر للبيئة. 

كما يتوقع من المعلمين والتلاميذ/الطلبة كذلك ممارسة أدوار نشطة في المجتمعات المحلية لتحسين الوعي والسلوك الموجه لتطوير مستقبل كوكبنا الأرضي. إن فعالياتهم في مجال حماية البيئة، توفر لهم وللمدرسة فرصاً عديدة للاندماج الفعال في مشاريع المجتمع المحلي وإعادة بدائل أخرى جديدة.

وتجذب أيضاً فرصاً طبيعية للمهتمين والخبراء المحليين للمشاركة في الأنشطة المنهجية المدرسية، الأمر الذي يكثف ويُغني الحوار البناء بين الطرفين المحلي والمدرسي في القضايا البيئية المحورية والآليات المناسبة كلها.. وتعمل على تقدم الأداء المدرسي للمناهج المدرسية وتفعيل تطوير التفكير والناقد والمهارات الفكرية التحليلية.. معززاً كل ذلك دور المدرسة كقيادة بيئية لتطوير المواطنة الديمقراطية في التلاميذ/الطلبة ومجتمعاتهم المحلية.

التربية المدنية وبناء الشخصية الاجتماعية وتعليم سلوكياتها المدنية 20

من المستغرب  حقاً في تربيتنا  المدرسية الحالية انها تعلم أي شيء قديماً أو معاصراً، ولكنها لم تتذكر حتى اللحظة تعليم الناشئة كيف يمكنهم بناء شخصياتهم الاجتماعية، وكيف يكونون مدنيين اجتماعيين وأخلاقيين في تعاملهم مع انفسهم والآخرين في الاجتماعات المدنية المتنوعة للناس.

ان التربية المدنية لشخصيات الناشئة المدرسية وتدريبهم على اساليب اللياقة والتصرف القويم في الاسرة والدراسة والعمل ومواقف الحياة المختلفة التي تجمعهم مع الآخرين في لُحمة انسانية متآلفة من الاستقلال المشترك الذي يرعى المصلحة الخاصة والعامة في آن،، تبدو مصيرية حاسمة لحياتهم ومستقبلهم: افرادا واسرا ومؤسسات ومجتمعات اكثر بكثير من علوم الاتصالات والكمبيوتر والمعلومات المعاصرة.

لماذا؟ لأن الانسان غير الاجتماعي لا يستطيع ببساطة التواصل والتعامل مع الآخرين، ولا ايصال معارفه وخبراته لهم حتى بتكنولوجيا الكمبيوتر والاتصالات المعاصرة،، ناهيك عن مشاكل الانحراف التي يسسببها في البيئة وتؤدي الى اعاقة مصالح الآخرين ولتشويش استقرار الحياة الاجتماعية اليومية.

التربية المدنية وبناء الشخصية الاجتماعية

     يمرّ بناء الشخصية الاجتماعية عبر سبع مساحات عمرية حرجة تبدأ بسلوك التعايش في المولد وتنتهي بعمر الأربعينات حيث الاندماج. ينجم مع نهاية هذه المرحلة ولادة الأسس الكلية لهوية الفرد النفس الإجتماعية الغشتالتية والتي يكون فيها عموماً منسجماً مع نفسه ومع البيئة،  ومستعداً سلوكياً لممارسة عضويته في الإجتماعات اليومية للناس باعتبار المواطنة الصالحة والديموقراطية والحقوق المدنية. نوجز هذه المراحل السبع بما يلي:

1.  التعايش (عمر المولد – سنتان): وهو أول أنواع السلوك الاجتماعي وأدناها فعَّالية في الاجتماع المدني للناس،  حيث يكون به الفرد طفلاً أو راشداً على علاقات حيادية أورسمية مع البيئة.

2.  التكيف (عمر ثلاث – 6 سنوات): هوسلوك العادات اليومية في الأسرة والمدرسة والعمل والسوق ومواقف ومتطلبات الحياة العامة،  حيث يكون الفرد به متوافقاً إجرائيـاً من حيث المبدأ مع البيئة ومقبولاً نفس اجتماعياً منها.. كما البيئة تكون أيضاً مقبولة منه.

3.  التقدير (عمر 7 – 12 سنة): هو سلوك تعاطف الفرد مع البيئة بدءاً بالاحترام والتشجيع والفرح والشكر والإعجاب والمديح والحب والصداقة وانتهاءً بالحزن والكره والذم كصيغ للتقدير السلبي.

تختص السلوكيات الثلاث أعلاه برعاية حاجات البقاء: فرداً مع فرد وفرداً مع جماعة وجماعة مع جماعة ومؤسسة مع مؤسسة ودولة مع دولة. وإن عجز أو ضعف أو رفض أي جهة لواحد أو أكثر من هذه السلوكيات الثلاث يشير إلى خلل في توازنها النفس سلوكي مع البيئة،  أي في توافقها الشخصي وسلوكها المدني في التعامل غير الرسمي المفتوح مع هذه البيئة،،  ظاهراً ذلك بصيغ اضطرابات وإنحرافات نفسية وسلوكية مختلفة.

4.  الالتزام (عمر 14 – 20 سنة): هوسلوك القانون المكتوب والملفوظ على السواء في الأسرة والعمل/الوظيفة والمدرسة والجامعة والسوق والطريق وغيرها من الاجتماعات المدنية الإدارية والاقتصادية والخدمية الأخرى. إنه تصرف المواطنة الصالحة والسلوك المدني الرسمي في التعامل مع البيئة.

5. التعاون (عمر 21 – 30 سنة): هو سلوك المصلحة المشتركة للناس: أفراداً ومجموعات ومؤسسات رسمية وخاصة. إن الاتفاقات وعقود العمل والوظائف والتعاونيات والشركات وتعاملات المهن والإدارات المحلية والأممية،  بما في ذلك الزواج وتأسيس الأسر،  هي كلها شواهد وآليات لسلوك التعاون الحالي. أي لتوافق الشخصية والسلوك المدني القائمين على مبدأ المصالح المتبادلة أوالمشتركة.

إن سلوك الالتزام بتفاعله مع سلوك التعاون وبكونه أيضاً قاعدة إجرائية وعضوية له،  يخدمان معاً غرضاً إنسانياً حضارياً أعلى من البقاء كما في السلوكيات الثلاث الاولى،  ألا هو تقدم الفرد والأسرة والمؤسسة والمجتمع. إن عجز أي جهة عن أداء سلوكيات الالتزام والتعاون،  أوخروجها عن مبادئهما المقررة عادة بإجماع الناس اوالموقف،،  يشير مبدئياً إلى إخلالات في توافقها الشخصي ويؤدي بها إلى إنحرافات سلوكية غير مدنية او/والى رفض من الجهات المشاركة الاخرى،  الأمر الذي يُعرّضها بالنتيجة لمُساءلات/عقوبات قانونية تتفق مع نوع ودرجة الانحرافات التي إرتكبتها.

6.  المشاركة (عمر 31 – 40 سنة): هي سلوك العطاء أوالمساعدة في سد حاجة مؤقتة آنية للناس بهدف تغيير وضع لهم،  جزئياً إلى الأفضل. إن تقديم الخبرة والرأي والمعرفة والمشورة والنصح والصَدَقات والتبرع بالمال والدم والوقت،  هي أمثلة لسلوك الشخصية الاجتماعية والسلوك المدني بالمشاركة. إن عكس المشاركة هوالامتناع عن المساعدة عند القدرة عليها وإرتكاب سلوكيات غير مدنية مثل: البخل وحرمان الآخر والتشّفي بحاجته أوبمعاناته الآنية.

7.  الاندماج (عمر 41 سنة وما فوق): هوسلوك الانتماء والإيثـار والتضحيـة من فرد لفرد ومن فرد لمجموعة ومن مجموعة لفرد أومجموعة،  ومن جماعة لجماعة،  ومن مؤسسة لمؤسسة،  ومن دولة لدولة ومن دولة لفرد ومجموعة. إنه سلوك التغيير المصيري للأفضل كما يحدث في الدفاع عن الوطن والنفس والشرف،  والتبرع بأعضاء الجسم والدم لإنقاذ حياة الآخرين،  والتكفّل بالأيتام والفقراء وبتعليم غير القادرين،  وبذل أقصى الجهد والوقت في الأسرة والعمل وصداقة الآخر لتطوير الناس والحياة والبيئة: محلية او عامية بحدٍٍ سواء.

يُمكّن سلوكا المشاركـة والاندماج الفرد والأسرة وإجتماعات الناس من التفوق فيما يطمحون إليه من أهداف.. حيث يصل بناء الشخصية الاجتماعية والسلوك المدني إلى أقصاهما واقعاً وعطاء ونتائجاً.. متحققاً بهذا كما نرى أهم وظيفة كبرى للتربية المدنية وهي: مساعدة كل فرد على اكتشاف ذاته: فروقه وإمكانياته الشخصية وتطويرها إلى أقصاها، ثم المشاركة بها بعدئذ في بقاء وتقدم الاجتماع المدني للناس: أسرة أو جيرة أو دراسة/عملاً أو صداقة أو مجتمعاً مفتوحاً عاماً.

وحتى تتمكن التربية من تحقيق هذه المسؤولية الاجتماعية الحاسمة لحياة ومستقبل الفرد والأسرة والاجتماعات المدنية للناس، يتوجب أن تحرص على تبني مناهج تربية اجتماعية متخصصة بتطوير السلوكيات السبع الأساسية لأية شخصية إنسانية متكاملة وأي موقف سلوكي بناء وهي: التعايش والتكيف والتقدير والالتزام والتعاون والمشاركة والاندماج. إن التنفيذ الرسمي المنظم لهذه المناهج في التربية المدرسية بدءاً من رياض الأطفال وانتهاء بالمدرسة الثانوية ومعاهد أو/و كليات المعلمين، سيساهم بدون شك في تطوير الشخصية الاجتماعية المدنية لأفراد الناشئة واستعدادهم عبر مراحل أعمارهم المتتابعة لسلوكيات المواطنة الصالحة والديموقراطية والحقوق المدنية التي ندعو الى تحقيقها هنا. ان أنواع وعناصر منهجية مقترحة للتربية المدنية الاجتماعية في المراحل المدرسية المتنوعة تبدو في الجـدول التـالي (جدول 1).

جدول 1: أنواع وعناصر منهجية مقترحة للتربية المدنية  الاجتماعية في المراحل المدرسية المتنوعة

المرحلة المدرسية
منهج التربية الاجتماعية المدنية
العناصر المنهجية الأساسية

العناصر المنهجية الثانوية (التجريبية)

رياض

الأطفال

3-

6سنوات

سلوكيات البقاء: التكيف الاجتماعي والتعايش

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم التعايش الإيجابي ثم التكيف مع الآخرين والتقييم الذاتي لكفاية هذا التكيف.

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم التعايش والتقدير والالتزام والتعاون والمشاركة والاندماج. كما تضم العناصر المنهجية الحالية برامج إعلامية مدروسة وحملات ميدانية تهدف إلى تطوير معرفة ومهارات الشرائح الاجتماعية المتنوعة للسلوك الاجتماعي. تستمـر هذه البرامج الإعلامية والميدانية والموازية مع تطبيق المناهج الاجتماعية التالية.

المدرسة

الابتدائية

7-12 سنة

سلوكيات البقاء: التقدير الاجتماعي

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم تقدير الآخرين والتقييم الذاتي لهذا التقدير.

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم التعايش والتكيف والالتزام والتعاون والمشاركة والاندماج.

المدرسة

الثانوية

13-18سنة

سلوكيات التقدم بالالتزام ثم التعاون مع المشاركة والاندماج للتكامل بالتجريب والتعزيز.

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم الالتزام بدساتير البيئة والتعاون مع الآخرين ومشاركتهم والاندماج في مصائرهم

أهداف ومعارف وخبرات/أنشطة وسلوكيات وقيم التعايش والتكيف والتقدير ثم المشاركة والاندماج على التوالي

معاهد

كليات

المعلمين

والمؤسسات

الجامعية

عموماً

9-24 سنة

مناهج التربية الاجتماعية وتربية الإنسان.

أنواع وأهداف ومحتوى مناهج التربية الاجتماعية وتنمية الإنسان المتوافق نفس اجتماعياً والانحرافات والنزاعات السلوكية الاجتماعية مع مناقشة مواقفها الواقعية المختلفة ومفاهيم وأدبيات السلوك الاجتماعي والاستقلال الاجتماعي المشترك (انظر كتابنا: التربية وتنمية الانسانز نشر دار التربية الحديثة).

مناقشات ودراسات تحليلية مقارنة لمفاهيم  وممارسات السلوك الاجتماعي في بيئات محلية واقعية مع أخرى عالمية أو مجاورة مع طرح المقترحات الإصلاحية المناسبة لتنمية الإنسان الاجتماعي والاستقلال الاجتماعي/ الثقافي المشترك لكل حالة بيئية بناء على تميزها الوطني وأهدافها المقصودة في البقاء والتقدم والتفوق في المسيرة الحضارية المعاصرة.

مبادئ مدرسية عامة للتربية المدنية الاجتماعية

نطرح هذه المبادئ بناء على المعاني الجوهرية لأنواع سلوك الاجتماع المدني  السبع التي تُكوّن ما نطرحه باسم: الشخصية الاجتماعية وسلوكياتها المدنية.إن هذه المبادئ تبدو موجزة في التالي:

المبدأ الأول: توافق معطيات التربية المدرسية من تعلم وإدارة وتعليم دائم وجاد، مع حاجات النمو المعرفي والعاطفي والسلوكي لأفراد التلاميذ، وذلك من حيث النوع والكم والكيف والتوقيت والنتائج.. إن مراعاة وممارسة هذا المبدأ المطلق من قبل التربية المدرسية هو ضرورة قصوى لنجاحها في التربية الأكاديمية المعتادة وفي التربية المدنية على السواء، ثم في الحصول بالنتيجة على ناشئة تتمتع بصحة نفس اجتماعية أو مفاهيم ومهارات ممارسة المواطنة الصالحة والديموقراطية والحقوق المدنية.

المبدأ الثاني: تقديم المهام الأكاديمية والاجتماعية للتلاميذ بصيغ استقرائية من المعلوم إلى المجهول ومن البسيط إلى المركب ومن الخاص إلى العام، لتسهيل تحصيل خبرات التعلم ثم استعمالها منهم بعدئذٍ في المواقف التربوية والاجتماعية المناسبة داخل وخارج المدرسة ( تعايش للتكيف ).

المبدأ الثالث: تنظيم بيئة التعلم ( الصفية والمدرسية ) بصيغ تستثني منبهات أو/ ووسائل الانحراف. فحيث يوجد السلاح المرخص على سبيل المثال كما في الولايات المتحدة، ترتفع نسبة المخاطرة لارتكاب اعتداءات مميتة. وحيث توجد شلل الإدمان أو الخارجة عن القانون في المجتمع المدرسي أو الزوايا المحيطة بالمدرسة، يسهل وقوع التلاميذ العاديين في الانحراف ( تعايش تكيف ).

المبدأ الرابع: التركيز على تعليم التسامح وفهم واستيعاب التنوع الثقافي والرأي الآخر لتعزيز كفاية التعايش الإيجابي مع مظاهر الاختلاف في البيئة والتهيئة النفسية للتكيف الاجتماعي (تعايش للتكيف ).

المبدأ الخامس: توفيـر فرص بناءة مباشرة وغير مباشرة للملاحظة والتقليد واللعب لتحسين مهارات التلاميذ الاجتماعية وقبول الآخرين وفي التعامل المشترك معهم (للتكيف).

المبدأ السادس: توفير فرص للتفاعل الاجتماعي من التلاميذ بالمناقشات وتبادل الآراء في ورش العمل والمشاريع المشتركة لتحسين سلوكهم اللفظي وتعاملاتهم الاجتماعية معاً ( تكيف للمواطنة والديموقراطية).

المبدأ السابع: تنويع أعمار وخبرات التلاميذ المتفاعلين معاً لتسهيل عمليات النقل والتقليد وإغناء مداخلات السلوك الاجتماعي ( تكيف للتقدير ).

المبدأ الثامن: تشجيع التلاميذ لتأسيس الصداقات فيما بينهم لزيادة الانفتاح السلوكي وتعزيز التوافق النفس اجتماعي مع الأقران والبيئة ( تقديرالآخر).

المبدأ التاسع: التركيز على المكافأة والتوجيه دون العقاب في التعاملات التربوية والاجتماعية اليومية لكون العقاب لا يصحح غالباً، بل يخفي السلوك لوقت مؤجل لاحق، كما أنه قد يعلم التلميذ فقط كيف يعاقب في المستقبل ( تقدير للالتزام ).

المبدأ العاشر: تأكيد دور الأحكام الخلقية والمعايير المعلنة للتصرف في تنمية وتوجيه السلوك الاجتماعي ( الالتزام المدني ).

المبدأ الحادي عشر: التخفيف المدروس للقيود والمسموحات والممنوعات المفصلة في التعامل مع التلاميذ أكاديمياً واجتماعياً، لكونها تحفز أفرادهم على التسرب والمخالفة بقصد أو بدونه لإملاءاتها المملة وغير المبررة أحياناً، كما تحد من الإبداع الشخصي في التحصيل الأكاديمي والعطاء أو /والتفاعل الاجتماعي (الالتزام للتعاون والمشاركة المدنية).

المبدأ الثاني عشر: توفير فرص بناءة للتعاون الاجتماعي ( دون المنافسة الاجتماعية ) من خلال أنشطة وعمليات ومشاريع التربية الصفية والمدرسية، لتحقيق أفراد التلاميذ لما يهمّهم من حاجات ورغبات شخصية للتعلم والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين (تعاون المواطنة الصالحة والديموقراطية والحقوق المدنية).

المبدأ الثالث عشر: توفير فرص تربوية واجتماعية بناءة يساعد بها أفراد التلاميذ غيرهم من الأقران فيما يحتاجون من تعلم أو عون مادي أو نفسي / سلوكي أو اجتماعي كما في المناسبات والمشاغل الأسرية المتنوعة (مشاركة وحقوق  مدنية).

المبدأ الرابع عشر: توفير فرص تربوية واجتماعية بناءة لأفراد التلاميذ لبذل أقصى ما يستطيعون في سد حاجات الأقران ( والمعلمين والإداريين إن لزم ) لتحسين وضعهم جذرياً للأفضل كما يحدث عند التبرع بالدم وبالمصروف اليومي أو الشهري أو شيء عزيز وحيد يملكه التلميذ، أو العمل في لجان النظافة وحفظ النظام، وتعليم الأقران، والكشافة (مواطنة صالحة وديموقراطية وحقوق مدنية).

المبدأ الخامس عشر: اعداد التربية المدنية الاجتماعية لشخصية الفرد في جوانبها البشرية الثلاثة: الفرد كشخص وتركز به على بناء هوية الفرد الخاصة أو كوحدة شخصية لها خصائص وتفاصيلها الإنسانية المختلفة عموماً عن الغير؛ والفرد كمنتج ودوره العملي أو/ والوظيفي المفيد لذاته والاجتماعات المدنية من أقران وأسرة ومؤسسات عامة وخاصة. يتقاطع الجانب الحالي سلوكياً مع سابقه الأول الجانب الشخصي الخاص لانتاج الجانب الثالث: الفرد عضواً في المجتمع المدني المرتبط بعضويته في الاجتماعات المدنية للناس حيث مجتمعات شلة الأقران والأسرة الذرية، وأسرة الفصل، وأسرة المدرسة، وأسرة الحي أو المحلـة، والأسرة الممتدة (القبيلة أو العائلة)، والأسرة القطرية ثم الأسرة الثقافية القومية وأخيراً العالمية للمجتمع الإنساني (انظر الشكل):

                                              

 

                             الفرد عضواً في المجتمع المدني

 

                                          

 

 

 

 

التربية المدنية وتعليم مفهوم وممارسة الديمقراطية المتوازنة

 ان ما نعنيه في الديمقراطية المتوازنة هو التوزيع العادل للأدوار والمشاركات في أداء وتطوير الحياة الخاصة والعامة للناس، بحيث يقوم كل فرد وجماعة محلية بما يتوقع من حقوق وواجبات حسبما تسمح به الامكانات والحاجات المتاحة الذاتية والبيئية، ويوفق معاً في نفس الوقت بين مقتضيات المصلحة العامة والخاصة بحدٍ سواء.

ونحن بهذا لا ندعو الى إحياء الديموقراطية الاثينية المباشرة قبل الفين وخمسماية سنة خلت، للاجتماع في الساحات العامة والمشاركة الشعبية المباشرة في الانتخاب وصناعة القرارات اليومية التي تهمً مجالس الادارة والحكم وآليات معيشة الناس،، لكون معطيات ومتطلبات الانسان والزمان والمكان قد اختلفت الآن. كما لا نقصد أبداً تبني الديموقراطية الامريكية المشوهة التي تحكمها الاغراض الشخصية المتقلبة للسياسيين أو/ والمصالح الانانية المتسلطة لجهات القرار الامريكية، بهدف احتواء القيادات والمجتمعات الاخرى أو تهديد من "يسير خارج فلكها" بزوال دولها وهويتها الوطنية.. بل ندعو الى ديموقراطية مدنية متوازنة، يعرف بها الفرد حدود مسؤولياته وحقوقه ويشارك بها الآخرين بأقصى ما تسمح به ظروف الانسان والزمان والمكان لتحقيق "الصالحين" الخاص والعام معاً.

ونرى أنجع الطرق لتحصيل مفاهيم وسلوكيات الديمقراطية المدنية من التلاميذ/الطلبة، هي تبني مناهج مدرسية تعتمد النقاش والحوار في عمليات تعليمها وتعلمها من المعلمين والمتعلمين. يشمل تطبيق مثل هذه المناهج كل المستويات المدرسية بدءا من رياض الأطفال إلى نهاية الثانوية وكل المقررات أوالمواد المدرسية كلما كان ذلك ممكناً. ويتوقع هنا تنظيم المناهج بصيغ تستوعب معها تقاطع ست قضايا خلقية مع محتوياتها وعملياتها التربوية المتنوعة وهي21:

1- استراتيجيات تحسين العدل والإنصاف بين المجتمعات.

2- التوازن بين الحق في المحافظة على الخصوصية الفردية والحرية المفتوحة في الوصول إلى المعلومات. 

3- التوازن بين حماية البيئة وتحقيق الحاجات الإنسانية.

4- استراتيجيات التعامل مع قضايا النموالسكاني والهندسة الوراثية وأطفال الفقر.

5- مبادئ واستراتيجيات تطوير القيم العالمية المعاشة مع احترام القيم المحلية.

6- مبادئ واستراتيجيات تفعيل التلاميذ/الطلبة لتعلم وسلوك العوامل والعمليات أعلاه في مدارسهم ومجتمعاتهم المحلية.

يتوقع تعليم وتعلم وتحصيل العوامل والعمليات الست أعلاه بطرق الحوار والنقاش والإقناع وفي بيئات مدرسية وبيئية متعددة(متنوعة) ومن خلال دراسات أكاديمية  وتطبيقية مكثفة للمواد المنهجية.

يجب أن يُسمح لكافة التلاميذ/الطلبة من مختلف الأعمار للتدقيق المُعمق في القضايا العامة الجارية التي تؤثر على حياتهم الراهنة/المقبلة من أجل تحقيق المواطنة الديمقراطية في كل منهم، وليصبحوا مواطنين مدنيين فاعلين في البيئات المحلية والعالمية بحد سواء.

محاور ممكنة في تربية الديمقراطية المدنية:

نقدم أربع مواد أو مقررات يمكن بها تحقيق الشخصية الديمقراطية القادرة على السلوك المدني في مختلف الاجتماعات اليومية للناس.. تبدوهذه موضحة بإيجاز كما يلي22:

1- الانشغال في القضايا العامة للمجتمع يتوقع في هذا المحور تعليم الناشئة عن أنفسهم ومواطن قوتهم وضعفهم وما يمكن أن يكونوا عليه من معارف وقيم وميول وأخلاق وسلوك.. يفهم التلاميذ/الطلبة بهذا ذاتهم ويتكون لديهم تقدير لأنفسهم ويعرفون ماذا وكيف يمكنهم مشاركة الآخرين والاجتماعات المدنية البيئية المتنوعة عند مناقشة القضايا العامة والمساهمة في المناسبات المحلية العادية أوالطارئة. يفقد الناشئة بدون فهم أنفسهم أول قدرة للمواطنة الصالحة وهي التعبير الواقعي المناسب عن الذات الشخصية والمشاركة البناءة بها في الاجتماعات المدنية للناس.

2-  الحل المدني السلمي للنزاعات يجب أن تبدأ مادة أو مقرر أو مواقف وأنشطة  الحل المدني السلمي للنزاعات مع رياض الأطفال والمدارس الابتدائية.. ليتعلم الصغار حل المشاكل السلوكية التي تحدث فيما بينهم ويفهموا ما تعنيه هذه المشاكل وأسبابها ونتائجها عليهم أفراد ومجموعات.  ومن ثم تدريبهم على حلها ذاتياً عند نشوبها في المستقبل مع تعرضهم لمواقف محاكية وتطبيقات للمشاكل المتنوعة التي يختبرونها أو يمكن خبرها في المستقبل.

أما في المدارس الثانوية والمعاهد والجامعات فيتوقع تعليم عينات عديدة من مواقف الخلاف الفعلية والمتوقعة لدى الشبيبة وتدريبهم بالمشاركة الفردية على فهمها وحلها بطرق مدنية سلمية. كما يمكن تناول أمثلة للنزاعات المحلية والإقليمية والعالمية ومناقشتها وتبادل في أسبابها والحلول التي أعتمدت في حلها.. ومدى صلاحية أو فعالية هذه الحلول في التغلب عليها.. ثم البدائل الأخرى التي قد تكون ناجعة أكثر عند سوء أوعدم جدوى الحلول المطروحة. إن مقررات العلوم السياسية والاجتماع وعلم النفس والتاريخ وعلم السكان والثقافة والاقتصاد والإدارة هي أمثلة للمجالات الخصبة التي يمكن بها تطوير مهارات التلاميذ/الطلبة في الحل المدني السلمي للنزاعات.

3- مهارات التفكير الناقد في تحليل المعلومات. يتعلم التلاميذ/الطلبة في مقررات وفعاليات التفكير الناقد، مراجعة المواقف والفرارت التي يتخذونها ومواقف الآخرين داخل المدارس والجامعات وخارجها في البيئة المحلية للمجالات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والسياسية والصحية والإعلامية والقضايا العامة الأخرى. يدقق التلاميذ/الطلبة في هذه المواقف المعلومات أو وجهات النظر المؤيدة والمعارضة ومن ثم المناقشة المدنية معاً للحقائق الملاحظة فيها ومحاولة الوصول بالحوار والإقناع إلى النتائج المناسبة المطلوبة.

4- التسامح مع التنوع واحترامه في الآخرين. إن دراسة الناشئة لمختلف الأعراق والأديان والثقافات والبيئات التي ينتمون إليها محلياً وإقليمياً ثم عالمياً تزرع لديهم في الأحوال التربوية العادية التعاطف مع الآخرين واحترام الاختلاف فيهم. إن الدراسات النظرية في هذا الإطار ثم الزيارات التطبيقية الميدانية والمواد الوثائقية والبرامج والندوات الإعلامية المباشرة أو المبثوثة سمعياً أو مرئياً، وبرامج التبادل الطلابي مع بيئات الجوار أو الأجنبية البعيدة أحياناً،، تساهم كلها في تطوير هذه القيم الديمقراطية لدى التلاميذ/الطلبة.

كما أن التنوع العرقي والثقافي- الديني الملاحظ لدى الدارسين في المدارس والمعاهد والجامعات ومساهمتهم في الندوات وحلقات النقاش والحوارات حول القضايا الاجتماعية المحلية والعالمية بمشاركة حية من شخصيات اعتبارية بيئية وتعليمية لهم في مدارسهم وجامعاتهم حيث برامج ومقررات دراساتهم التخصصية والخدمات والأنشطة المساعدة الأخرى.. تعزز كلها مبدأ التسامح مع تنوع الآخرين واحترام هذا التنوع عند التعامل معهم.

والجدير بالتنويه هنا، إن التربية المدنية ترعى ضمن أولوياتها، الحرية والتسامح الثقافي- الديني بواسطة 23:

1- التدقيق في التسامح الديني في البيئة وانشاء مؤسسات تأخذ على عاتقها حل النزعات الدينية يومياً بدون حصر جهودها على خدمة حاجات دين محدد بعينه.

2- تعليم وتطبيق مبادئ القانون الدولي في تشجيع وتعزيز الحرية الدينية.

3- إحداث برامج رسمية توفر معلومات وافية عن المجموعات الدينية في البيئة.. والمبادئ والآليات التربوية التي تعزز في التلاميذ/الطلبة الحرية الدينية والتسامح مع مجموعات المذاهب أو المعتقدات المختلفة في الداخل والخارج.

ومما يجدر تأكيده في ختام محاور أو مقررات التربية الديمقراطية المدنية هو أن أي بيئة أو دولة وطنية لا تعمل على تربية الناشئة بصفة منظمة مدروسة مبادئ وتطبيقات المواطنة الصالحة والسلوك الديمقراطي،، فإنها تفقد تلقائياً الحق عليهم في التعاطف مع ظروفها والميول وردود الفعل الايجابية في الاستجابة لتعليماتها.

التعليم المدرسي لمفهوم وممارسة الديمقراطية المتوازنة

يلزم أولاً من البرامج التربوية المدرسيةعند تعليم الديموقراطية المدنية والتسامح الديني24، التخلي عن مواعظها الإلقائية المباشرة في تعليم الناشئة مبادئ وسلوكيات الفضائل،، من أجل التركيز أكثر على تعريضهم لفعاليات وخبرات مدنية: صفية ومدرسية ومحلية ميدانية في البيئة. كما يتوقع من المعلمين التحلي بالمسؤولية أكثر بالتركيز على تعليم فضائل الهوية المدنية والسلوك الخلقي أكثر من روتين التعليم الاكاديمي اليومي.

وثانياً، بينما تشكل الديمقراطية محوراً رئيساً في التربية المدنية، الا ان تعليم  الديمقراطية للناشئة بالتربية المدنية لا ينحصر فقط في توضيح آليات مشاركة الناس في السلطة أو التوزيع العادل في الحقوق والواجبات، أو أسس الالتزام والاحترام المشترك للناس.. أنه أكثر من مجرد تعليم هذه المفاهيم والممارسات المتفرقة.. إنه يزرع في افراد ومجموعات الناشئة أسلوباً ديمقراطياً متوازناً ومتكاملاً للحياة يمارسونه طوعياً تلقائياً بالعادة في تعاملاتهم المشتركة معاً في المدرسة أولاً بالمناقشة والحوار والتدريب والتطبيق المدرسي، ثم بمتابعة تطبيقاتهم الميدانية في الأسرة والمؤسسات الخدمية والإنتاجية الأخرى والمواقف المهنية والاجتماعية المتنوعة الأخرى.

وبالطبع لا يستطيع أي مجتمع الحصول على أفراد وجماعات يؤمنون بالتوجًه الديمقراطي المتوازن الذي يوفق بين الحقوق والواجبات الخاصة والاخرى العامة، ثم يمارسونه سلوكياً بالعادة في مختلف مجالات وأنشطة الحياة اليومية،، إلا إذا تربوا نظامياً عليها في الأسر والمدارس والجامعات. وتكونت لهم عبر هذه السنتين الأولى الممتدة من حياتهم شخصيات متوافقة نفس اجتماعيا مع أنفسهم والآخرين وقادرة ذاتياً على السلوك المدني.

إن التقليد الممارس من الناس المواطنين في الديمقراطيات المعاصرة بدءا من الولايات المتحدة وكندا في الغرب وانتهاء بالهند واليابان في الشرق هو الاحتجاج ضد الاستثناء من مزايا هامة يستحقونها،، بأساليب سلمية أحياناً وبالعنف في أحيان عديدة أخرى. ومن هنا، فإن أولى الواجبات الأساسية للمؤسسات التعليمية هو تعليم الناشئة أساليب موضوعية هادفة لمعارضة التجاوزات الرسمية أو الخاصة التي تمس حقوقهم المدنية، دون الاكتفاء بتظاهرات او احتجاجات مُسيَّسة سيئة النية او غامضة الهدف غالباً.

والخلاصة، إن تربية مواطنين ديموقراطيين أحرار يشعرون بالمسؤولية ويتحملون تبعاتها بدءاً من صناعة القرار والعمل المناسب وانتهاء بقبول النتائج،، تتطلب من المدارس والجامعات تدريبهم على أربع خصائص أو كفايات هي25:

1- التعامل الجاد مع القضايا العامة للمجتمع والتي تنبع في الأصل من تقدير الفرد لنفسه واحساسه بأنه عضو هام في البيئة وقادر على العمل المفيد لها.

2- التعاطف مع التنوّع في الآخر واحترام هذا الاختلاف عند التعامل معه.

3- مهارة التفكير الناقد في تحليل المعلومات والتوصّل الى حجج وبراهين منطقية مناسبة، ومن ثم إدارة النقاش والحوار والإقناع للوصول إلى النتائج المشتركة المطلوبة.

4- الالتزام بعدم ارتكاب العنف وبالوسائل المدنية السلمية في حل النزاعات.

التربية المدنية وتعليم الحقوق المتوازنة للإنسان

من المرجح أن الانشغال بموضوع حقوق الإنسان يعود إلى ردة الفعل تجاه الحكومات الوطنية المتسلطة التي تسيء استخدام قوتها في التعامل مع الناس. وقد شرع اليونانيون قبل الميلاد مبادئ محسوبة لحقوق الإنسان مثل26:

1- حرية الكلام أو التعبير المدني لجميع الناس.

2- مساواة جميع الناس أمام القانون.

بعدئذ، قام جون لوك (1632_1704) بتوسعة المبدأين آنفا في معاهدة للحكومة المدنية بإضافة  الحرية والمساواة والتي ظهرت عام 1689 بعدئذ في المرسوم الانكليزي للحقوق English Bill of rights  ثم  في الإعلان الأمريكي للاستقلال عام 1776. ولكن وثيقة الإعلان الأمريكي للاستقلال تمت توسعتها أيضاً من أربعة حقوق إلى ستة بإضافة:حق الامتلاك ثم حق العمل للسعادة الفردية.

أما الثورة الفرنسية والمصلح الفرنسي لافيي Lafayette فأضاف نوعين آخرين من الحقوق هما: الحق في الأمن، والحق في مقاومة القهر حيث وصل مجموع الحقوق بهذا إلى ثمانية.

وفي القرن التاسع عشر اتجه الاهتمام بحقوق الإنسان للمجال الاجتماعي، أي للحقوق الاجتماعية. ومع العشرين الأولى من القرن الماضي جاء ودروولسون بقائمة مفصلة لحقوق الإنسان نالت حينها (ولا تزال) اهتمام المشرعين المهتمين بحقوق الإنسان.. إلى أن عمدت منظمة الأمم المتحدة 1948 إلى إصدار لائحة شاملة لحقوق الإنسان تتكون من شقين،الأول:الحقوق السياسية والمدنية والثاني تناول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي عام 1950،أعلن المؤتمر العام للمجلس الأوروبي لحقوق الإنسان ما يلي:

1- إن حقوق الإنسان هي عالمية ومتأصلة في الطبيعة الإنسانية (فطرية غير مكتسبة).

2- ان  الحقوق الخلقية هي خاصة بالأفراد أومجموعة منهم وهي حقوق مكتسبة.

أما حاليا فيوجد العديد من المنظمات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني التي تتبني حماية حقوق الإنسان: فلسفة ومهنة متخصصّين لعملها اليومي. فالمنظمات العالمية لحقوق الإنسان المنتشرة في كل بلدان العالم تقريباً، ومفوضات حقوق الإنسان وروابط الحريات المدنية هي أمثلة لذلك.    

التربية المدنية لحرية التعبير المدني

إن أولى الحريات التي يتوقع من التربية المدنية – الأسرية والمدرسية ، غرسها في الناشئة هي : حقهم في حرية التعبير. إن " تكميم " الأفواه التي تتكلم مدنياً من أي جهة اجتماعية كانت: رسمية أو غير ذلك، يعني حجز الفرد في سجن مترامي الأطراف اسمه : المجتمع.. يرى ويسمع ويشم ويحس، لكنه " مخروس " لا يقوىعلى اللفظ؟!

ولغرض الإيجاز وتكامل المعنى لحرية التعبير، نُنوّه الى خمس حريات فرعية هي: حرية الكلام وحرية الكتابة (الإعلامية )، وحرية الاجتماع، وحرية المعتقد الديني ، ثم حرية الضمير. حيث يعني كل منها27 :

1- حرية الكلام مدنياً بقول ما يريده الإنسان، والتعبير عن أفكاره، واستطلاع أفكار جديدة والمشاركة بوجهات نظر مختلفة.

2- حرية الكتابة مدنياً لما يريد، والتعبير عن أفكاره كتابياً، واستطلاع أفكار جديدة كتابياً، والمشاركة بوجهات نظر مختلفة كتابياً، ودعم أو نقد الناس والأفكار كتابياً.

3- حرية الاجتماع في مجموعات بصيغ سلمية غير عنفية في المنتزهات والساحات العامة، والمدارس والجامعات، والطرقات، والمطاعم، والمنازل الخاصة، والنوادي الثقافية أوالرياضية أوالمهنية، أوغيرها من الأماكن الرسمية العامة  أوالخاصة الأخرى .

4- حرية المعتقد الديني بإتباع المذهب الذي اختاره الفرد لنفسه ثم ممارسته دون ممانعة تذكر ضمن الديانة الواحدة. ولا نعتقد بأكثر خارج ذلك، لكونه يسبب إخلالات اجتماعية عامة غير مدنية على مستوى الأسر والجماعات المحلية والدول الوطنية .

5- حرية الضمير بتقرير الفرد ذاتياً ما يفكر به.

التربية المدنية لحرية التعبير بمبدأ التوازن بين حقوق الفرد والصالح العام للمجتمع .

إن المبدأ الأساسي الذي تجب مراعاته من التربية المدنية ومؤسساتها الأسرية والمدرسية والإعلامية المفتوحة ومواقف الاجتماع المدني الأخرى للناس، هوالتوازن بين حق الفرد في حرية التعبير المدني وحقوق ومصالح المجتمع. وأن الأخطاء العالمية التي تحدث في هذا الإطار هي المطالبة المحمومة بحقوق الفرد للحرية دون النظر لحاجات ومصالح  البيئات المحلية المُلّحة في هذا الإطار.

فيتوقع من التربية المدنية رعاية حرية الفرد حيث تتقاطع مع حرية المجتمع. أما عند لحظة تجاوز هذه الحرية الفردية المصلحة العامة للمجتمع باعتبار المعايير الوطنية الموضوعية دون الشخصي السياسية المعطوبة، عندئذ يتوجب التدخل بالإرشاد والتوجيه والتربية الوقائية للحد من ذلك. فلا يجوز في هذا الإطار على سبيل المثال :

·   قول الكذب في التعامل مع الآخرين أو في مواقف الاجتماع المدني الرسمية مثل الوظيفة أوالمحاكمة ، أوالخاصة كالاجتماعات والحوارات والنوادي العامة.

·       تدمير سمعة الآخرين بالافتراءات والإشاعات أوالنشر الصحفي .

·       الكلام بصوت عال في بيئات العمل وأماكن الدراسة والمكتبات العامة والندوات العامة.

·   عقد اجتماعات في الأماكن العامة أوالخاصة من مجموعات خلافية مع الصالح العام،  في معتقدها الديني – الثقافي أوالسياسي أو الاجتماعي أوغيرها.

·   عرض أفلام ومجلات وصور العري الجنسي في أماكن عامة مفتوحة للناس ، خاصة في البيئات الشرقية، مثل : المحلات التجارية أوالمعارض الخاصة بهذا الفرض .

·       استخدام  الشبيبة لملابس والوان متطرفة خارجة عن السياق العام للمجتمع.

·       التبشير بدين لدى معتقدي دين آخر في نفس البيئة المحلية.

·   إفشاء أسرار خاصة بأسلوب العمل أوالوضع الاقتصادي أوالاجتماعي أوالأمني السياسي أوالإداري للمؤسسات العامة أوالخاصة التي ينتمي إليها الفرد .

أنشطة للتربية المدنية مشجعة على تنمية وتوجيه حرية التعبير  المدني

من الأنشطة  التي يمكن تبنيها من مؤسسات التربية المدنية للأسرة والمدرسة، العينة التالية:

1- التعبير عن الأفكار ووجهات النظر المدنية مهما كانت مختلفة، وتبادلها مع الآخرين دون تردد، وذلك في الاجتماعات الصغيرة العفوية للأسرة، أوالبيئة الصفية والمدرسية.. مع متابعة موضوعية غير إملائية من الكبار في الأسرة أوالمعلمين في المدرسة.

2- عقد نقاشات وحوارات واجتماعات حرة لتداول الأفكار والآراء الجديدة ووجهات النظر المتنوعة في المعرفة المعاصرة، والاجتماع ، والسياسة ، والأمن والدفاع ، والصحة ، والإدارة العامة ، والعلاقات الدولية ؛ ومن ثم استخلاص العبر والدروس  العامة المفيدة لتقدم الفرد والأسرة والاجتماعات المدنية الأخرى للناس .

3- تشجيع التلاميذ / الطلبة على كتابة مقالات مدنية ناقدة للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحلية، بإشراف الكبار في الأسرة أو/ والمعلمين المدرسيين ومن ثم العمل على نشرها في الصحف المحلية في البيئة .

4- تشجيع التلاميذ / الطلبة على التفكير والكلام والكتابة في مجال حقوق الإنسان، وتطوير المقالات التحليلية الناقدة إيجاباً أوسلباً لها، واقتراح الحلول والبدائل لتحسين ممارستها وحمايتها من الناس والدولة الوطنية والاجتماعات المدنية الرسمية والشعبية الأخرى للناس.

معايير عالمية للتربية المدنية لحقوق الإنسان

ان أهم القوانين والدساتير الربانية ثم الوضعية الدولية التي ترعى هذا الموضوع الحاسم لكرامة وحياة الانسان هي:

1-  الشرائع الدينية السماوية اليهودية والمسيحية والاسلام ثم الوضعية كالكنفوشية والبوذية والبراهمية.. أكدت بدرجات متفاوتة مبادىء وممارسات حقوق الانسان. ولا نعتقد ضيراً في هذا،، لأن الامم المتنوعة التي تتبنى معتقدات دينية مختلفة، تمارس حقوقاً انسانية تتفق مباشرة من حيث المبدأ مع تراثها وحاجات حياتها المحلية. فالاسلام والسنة المتواترة على سبيل المثال هما المرجعية الاولى لحقوق الانسان: نوعاً وكيفاً ودرجة وموقفاً.

2-     القوانين الدولية لحقوق الانسان، مثل:

أ‌-        اتفاقية اليونسكو ضد التمييز في التعليم (1960).

 ب‌-الاتفاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966). 

 ت‌-الاتفاق الدولي الخاص بحقوق الجماعات القبلية والفطرية (1989).

 ث‌-الاتفاق  الدولي لحقوق الطفل (1989). 

  ج‌- الاتفاق الدولي للحد من كل أشكال التمييز العرقي (1965). 

ح -  الاتفاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966).

ط - الاتفاق الخاص بحقوق الجماعات القبلية والقطرية من ذوي البلاد الأصليين (1989).

    وبينما لا تتعارض مبادىء هذه التشريعات الدولية الحقوقية مع تعليمات الاديان بنفس السياق، الا ان تداول موضوع الحقوق المدنية من الدول والمجتمعات والاعلام يتم من خلال القوانين الدولية أعلاه، ربما للغة المشتركة المعروفة من كل البيئات العالمية بالتغاضي عن خلفياتها الثقافية المتنوعة.

دمج حقوق الإنسان في التربية المدنية للناشئة

بناء على الشرائع والاتفاقات الدولية الواردة أنفاً بخصوص حقوق الإنسان في التعليم، وتوقيع معظم الدول الوطنية بالموافقة على نصوص هذه الاتفاقات. تقوم الدول الموقعة سنوياً على هذه الاتفاقات بإعداد تقارير تفيد بمدى ممارستها لحقوق التعليم المنصوص عليها في الاتفاقات،، الأمر الذي يوفر معلومات متراكمة بخصوص التطبيقات التعليمية لديها. لنرى أكثر ما يمكن أن تقوم به الدول الوطنية في هذا الاطار بخصوص الجوانب الأربعة لحق التعليم اعلاه (أنظر المرجع رقم 11).

1- الحق في توفّر التعليم. تكون التزامات الدول الوطنية في هذا الجانب على ثلاث مجالات هي:   

-   يتطلب التعليم من الدول الوطنية كحق مدني وسياسي للناشئة إنشاء مدارس تستجيب لحرية التعليم وفي اختيار المناسب من بدائله للتعلم. 

-   يتطلب التعليم من الدولة الوطنية كحق مدني وسياسي اجتماعي واقتصادي وتأكيد حرية إجبارية التعليم، توفيره لجميع الأطفال بالعمر المدرسي من 6-18 سنة. 

-   يتطلب التعليم من الدولة الوطنية كحق  مدني وسياسي ثقافي احترام التنوع في الناشئة المتعلمين، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات وسكان البلاد الأصليين.

2- الحق في الوصول لفرص التعليم. يؤكد هذا الحق على تكافئ الفرص التعليمية  المتاحة لجميع التلاميذ بعمر المدرسة، دون أي تمييز مهما كان نوعه: جنسي أوعرقي أوديني أو سياسي أوغيرها. وإن الدول الوطنية ملزمة بهذا في توفير التعليم الإجباري لكل هؤلاء.

3- الحق في جودة التعليم لجميع التلاميذ بمختلف خلفياتهم الاجتماعية. ويضم هذا الجانب بالإضافة لنوعية المعلومات والخبرات التي يتعرض لها التلاميذ، توفير الظروف الصحية والمهنية والسلامة للمعلمين، والتدريس بلغة التلاميذ الأصلية، وتعميم المحتوى المنهجي للمقررات المدرسية بحقائق ومفاهيم وخبرات تخص حقوق الإنسان.

4- الحق في مناسبة التعليم لحاجات المتعلمين الذي يتطلب مبدئياً من الدول والمدارس الاستجابة لحاجات أفراد التلاميذ بما يتفق مع الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان. وبالإضافة لمناسبة التعليم لحاجات الناشئة العادية، يتوقع من أغلبية المدارس:

·   تصميم وتنفيذ التعليم للأطفال المحرومين من التعليم الرسمي مثل: الأطفال المهاجرين، أوالمُرّحلين إلى مناطق داخلية في القطر الواحد، وأطفال مراكز الأحداث، أوالمشردين في الشوارع أوالأطفال العمال.

·        تكييف التعليم بما يتفق مع اهتمامات الاطفال وخاصة المعاقين وأطفال الأقليات وسكان البلاد الأصليين.

·   تطبيق مبادئ حقوق الإنسان فردياً مع المتعلمين في التعليم ومتابعة حقوقهم في مجالات الزواج وتأمين أسرة، والحرية من العمالة القسرية (عمالة السخرة) أوعمالة الأطفال.

تفعيل التربية المدنية في اعداد ناشئة مدنية

إن أهم العوامل التي يمكن بها زيادة أثر التربية المدنية إيجابياً على نتائج تعلم الناشئة المدرسية وسلوكها المدني، خاصة في البلدان الإسلامية هي27:

1-  التخطيط العلمي المتكامل لمحتوى ومناهج التربية المدنية التي توازن بين حاجات النمو الشخصي للمتعلمين ومتطلبات المجتمع للبقاء والتقدم.

2- توفير المستلزمات التنفيذية: البشرية والتربوية والفنية والتقنية والمادية التي تضمن نجاح التربية المدنية مدرسياً ميدانياً.

3- الحدّ من عمالة الأطفال بما فيهم أطفال الشوارع.

وبالرغم من أن القوانين الدولية بدءاً من عام 1941 قد حددت العمر الأدنى المسموح به لعمل الأطفال بأربعة عشرة سنة (14 سنة) فإنها أوصت عام 1946 برفع هذا العمر إلى 16 سنة. إلا أن المشكلة لا زالت مستفحلة عبر العالم من تايلند ومينمار (كمبوديا سابقاً) وفيتنام والفلبين في شرق وجنوب شرق آسيا مروراً ببعض البلدان العربية والعديد من البلدان الأفريقية في الوسط، إلى المكسيك ودول أمريكا الوسطى وعدد من دول أمريكا اللاتينية في الغرب.

وبينما يمارس الفقر (الأسود) للأسر حافزاً إجبارية لعمالة الأطفال بوجه عام،، إلا أن الدول الوطنية الفاشلة لم تتحرك فعلياً لحل هذه المشكلة الإنسانية، أو حتى للتخفيف نسبياً من كثافتها في الواقع، اللهم سوى بالتوقيع على الورق للحد من عمالة الأطفال أو بتناولها في وسائل الإعلام المحلية ضمن برامج  البروبوغاندا الدعائية. ومع كل هذا فندعو الدول الوطنية للتصرف إيجابياً والإصلاح البشري الآن حفاظاً على  استقرارها ومصالحها البشرية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية في المستقبل.

4- الحد من الزواج المبكر للأطفال وخاصة للمرأة الطفلة

كما يلاحظ في العديد من البلدان النامية، هناك نَهَمٌ جنسي للزواج من البنات الأطفال. حتى أن عدداً من حملة الشهادات  الجامعية العليا (ماجستير ودكتوراه) في بعض البيئات،  لوحظ تفضيلهم لصغيرات السن قبل عمر الثامن عشرة سنة.  أما كبار السن الذين يصعب عليهم في بلدانهم المحلية الحصول على زيجات بعمر بناتهم او حفيداتهم، فيلجئون لتحقيق مطلبهم إلى السفر إلى أقطار في جنوب وجنوب شرق آسيا لتحقيق ما يريدون. والسبب الرئيس وراء قبول الأسر عبر العالم لزواج صغيراتها في سن مبكر هو للأسف نتيجة مشكلة أخرى هي الفقر، الذي يسبب معضلات إنسانية عديدة: المرض والأمية وعمالة الأطفال وتجارة الرقيق الأبيض الذي امتد حديثاً لسوء الطالع البشري إلى ِرقّ الأطفال.

ومرة أخرى يلاحظ أن العديد من الدول الوطنية لا تحرك ساكناً تجاه هذه القضية الحساسة اجتماعياً: الزواج المبكر، سوى ببرامج وعظ خجولة ومحدودة ومكررة على الإذاعات المسموعة أو الفضائية المرئية.. ولا تنحصر مشكلات الزواج المبكر على تكوين أسرة تحمل عضوياً بذور فشلها في الاستمرار وغير سوية في علاقاتها الزواجية والنفس اجتماعية وفي عدم الاستقرار الأسري عموماً، بل تمتد إلى احداث انحرافات خلقية إضافية الى ما يعانيه المجتمع في الأصل في هذا السياق، ناهيك عن زيادة درجة البطالة وضعف مستويات التعليم وتفاقم ظاهرة الفقر والأمراض الصحية في المجتمعات.  ان ظاهرة الزواج المبكر تجسد مشكلة رئيسة معيقة لتعليم المرأة بنسبة 81% حسب إحصائية اليونسكو عام 2004 .

ويحتاج الموقف المأزوم الحالي كما هو الحال مع العديد من المواقف الصعبة الأخرى التي يعاني نتيجتها الأفراد والجماعات المحلية بما فيها الأقليات بمختلف تنوعها، إلى قرار إصلاحي جاد من الدول الوطنية والمؤسسات المدنية التابعة لها في مجالين رئيسيين: سن التشريعات الملزمة للحد من ظاهرة الزواج المبكر عموماً والبنات القاصرات بوجه خاص، ثم العمل على إنشاء مصالح اقتصادية وعملية مفيدة للدخل القومي وقادرة في نفس الوقت على استيعاب الأعداد الفعلية للعاطلين في الأسر الفقيرة بعد تدريبها وإعدادها المناسب بطبيعة الحال (وبدون أي فساد من موظفي الخدمة طبعاً) . ان تحسين وضع هؤلاء اليائسين يضعهم على الخطوة الأولى من الطريق نحوالتغيير الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والصحي وربما الإبداعي إلى الأفضل.

5- الحد من تفاقم الامية

إن المجتمعات المعاصرة في البلدان النامية تعاني هذه الأيام من ثلاثة أنواع من الأمية هي:

أ‌-     الأمية التقليدية للقراءة والكتابة والحساب  traditional (old days) illiteracy التي تبلغ في البلدان العربية سبعين مليون نسمة منهم أربعين مليون امرأة عربية  حسب إحصائيات أخيرة أذاعها تقرير متخصص عن قناة الجزيرة الفضائية.  والأمل بأن تكون هذه المشكلة المستعصية في طريقها للتلاشي التدريجي لزيادة انتشار التعليم ولانقراض الأجيال الكبيرة عموماً بالموت .. وللعناية الدولية الراهنة بضرورة تعليم المتسربين مدرسياً من الأجيال الصغيرة.

ب‌-    الأمية الرقمية – التقنية  electronic digital illiteracy في مجالات الكمبيوتر والانترنيت والمعلومات الرقمية ووسائل الاتصال عن بعد.. وهذه المشكلة تبدو  صعبة نسبياً نظراً للتطورات المتسارعة بأكثر مما يستطيع الإنسان العادي  متابعته وتحصيله، ثم لضعف الموارد المادية لدى الأفراد والأسر عموماً في البلدان النامية بوجه خاص .

ت‌-    الأمية المدنية  civic illiteracy أو أمية المواطنة الصالحة والديموقراطية وحقوق الانسان (محلياً وعالمياً).. وهذه أيضاً تبدو صعبة ومركبة نظراً لتنوع عواملها وتعدد المصالح العالمية والمحلية منها: فالكل يبدو في خلاف مع الكل حول الأهداف والمحتوى والأسلوب ونوع الإنسان المطلوب نتيجتها.

6-  تدريب المعلمين في مهارات تعليم التربية المدنية للتلاميذ/ الطلبة 28

       حتى ينجح المعلمون أدائهم للتربية المدنية مع الناشئة المدرسية، يتوجب منهم ان يكونا مدنيين في تعاملهم ومتمكنين من مهارات العليم بالتبية المدنية. من أهم هذه المهارات، العينة التالية:

أ‌-   حقوق ومسؤوليات  المواطنة الديمقراطية الصالحة (يتعلم المعلمون هنا: الحقوق والواجبات الأساسية، المعرفة المدنية، المهمات المدنية، الفضائل المدنية، حكم الأغلبية مع الحفاظ على حقوق  الأقليات، حماية وتحسين المصالح العامة للمجتمع).

ب‌-  مبادئ الديمقراطية والدستور الوطني (البينات السياسية للمجتمع أوالدولة، دور القانون في الحياة العامة، الفصل بين السلطات، والتوازنات والمحاسبة).

ت‌-  مفاهيم وتطبيقات سلوكيات الشخصية الاجتماعية المدنية (يتعلم المعلمون هنا: بناء الشخصية الاجتماعية عبر سبع مساحات عمرية حرجة تبدأ بسلوك التعايش في المولد مروراً بالتكيف والتقدير والالتزام والتعاون والمشاركة لتنتهي بعمر الأربعينات حيث الاندماج).

ث‌-  المشاكل العامة للمجتمع وآليات حلها مدنياً (يتعلم المعلمون هنا: التغلب على مشاكل الفقر، وعدم الإنصاف/ عدم المساواة في الحقوق والمسؤوليات، الاقتصاد، والأفراد/الجماعات فوق القانون، والفساد، والاستبداد، والأمراض الاجتماعية، والعنف، والمخدرات، والتلوّث البيئي..).

ج‌-  العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان (يتعلم المعلمون هنا: الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحقوق المرأة في التنمية والمكانة الاجتماعية، وحقوق الإنسان الدولية).

ح‌-  الاندماج في الحياة العامة للمجتمع (يتعلم المعلمون هنا: المشاركة في الإدارة المحلية، والإعلام، ونظام الانتخابات، والأحزاب السياسية، وفعاليات المجتمع المدني الأخرى).   

هوامش الدراسة

1- Barson, T. The Unit Act of Action Systems. New York; Free Press, 1937.

* Parsons, Talcott, The Social System, New York, Free Press, 1951. HM51 P35.  Retrieved July,2007.

* Parsons, Talcott, Sociological Theory and Modern Society, New York, Free Press, 1967. HM51P37. . Retrieved July,2007.

2- Mead, G. H. Mind,Self and Society.Chicago: university of Chicago Press, 1934.

 * Mead, G.H. 1982. The Individual and the Social Self: Unpublished Essays by G. H. Mead. Ed. by David L. Miller. University of Chicago Press. Retrieved Aug.,2007.

3- Machiavilli, N. The Prince and the Discourses. New York:Modern Library, 1950.

4- Dewey, J. Demogracy and Education. New York: Academic Press,1915.

5- Ascher,W. Studends, Civic Egagement and Justice: Does Our Teaching Reinforce Apathy and Cyniscism? Retrieved May 2007(www.westmont.edu/).

6- Hammad Hammad (Columnist). "Education in the Arab World is Not What It Used to Be". Retrieved July,2007.
7- Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture - ISESCO The State of Education in Arab Countries. Rabat, Maroc. Retrieved July,2007.

 8- Newman,K. and Nollen, S. Culture & Congruence:The Fit btween Management Practice and National Culture. JIBS,Vol. 27,1996. Retrieved May,2007. Culture &

9- Direznzo, G. Socialization for the Democratic Personality in Modern Society. JAD, Vol. 2, No. 4, Nov. 2005. Retrieved May,2007;

* Madison,J. Fostering Civic Virtue:Character Education in the Social Studies.NCSS, 1997. Retrieved June, 2007(www. Social Studies.org/); and

* Pilon, J. The Global Revolution and the Need for Civic Education in the Formal Soviet Bloc. June, 1995. Retrieved June, 2007(www.democracy.ru/

10- Look for example: Well Durant. The Story of Civilization.

11- Tomasevsk, K. Manual on Rights- Based Education: Global Human Rights Requirements Made Simple. UNISCO Bangkok, Asia and Pacific Reginal Bureau for Education, 2004. Retrieved July,2007 (http://unisdoc.unisco.org/).

12- Education Encyclopedia. Educatinal System. 2007. Retrieved June, 2007 (www.stateuniversity.com).

13- Bernstein, A. and Cock, J. Educating Citizens for Demogracies, Young and Old. Ford Foundation, 2007. Retrieved June, 2007(www.Ford Found.org/)

14- Bernstein. and Cock. 2007.     مصدر سابق

15- Meyer, J. Citizen Development Education in Pluralistic Society. Conference: Civic Education in the Arab World. Lebanon, Sept. 1994. Retrieved May, 2007(www.icps-lebanon.org/)

16- Fast, R. G. Global Civics Education Programs of the Future. Sept. 1994. Retrieved May, 2007(www.icps-lebanon.org/).

17- Meyer, 1994.      مصدر سابق

18- Cogan, J. and Others.Citezenship: The Demogratic Imagination in a Global / Local Context. Boston: Little, Brown & Company, 1999. Retrieved May, 2007(www.learner.org/)

19- Cogan, J. and Others.1999. مصدر سابق

20- محمد زياد حمدان. التبية وتنمية الانسان- نحو تصنيف ونظرية لدراسة السلوك الاجتماعي. دمش: دار التربية الحديثة، 2003

21- Cogan, J. and Others.1999.   مصدر سابق 

22- Bernstein. and Cock. 2007. مصدر سابق 

23- Marten. J. The Relious Freedom and the Civic Education in the Formal Soviet Bloc. Retrieved May, 2007(www. Relious Freedom.com/).

24- Madison,1997.   مصدر سابق.

25- Bernstein. and Cock. 2007. مصدر سابق

26- Meyer, 1994. مصدر سابق

27- Beitz,C. Human Rights as a Common Concern. American Science Review, Vol. 95, Retrieved June, 2007.

28- Tomasevsk, 2004. مصدر سابق

29- Partly, Tomasevsk, 2004. مصدر سابق

30- Adapted from: Dahal, D. Civic Education- The Problem and Posibilities of a Democratic Life inNepal, 2000. Retrieved June, 2007(www. Nepaldemocracy.org/)

 

 

 

 

 

* * * * **

 

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان