التربية الأخلاقية

د/ محمد جهاد الجمل

أستاذ مشارك – الجامعة العربية الأوروبية - سوريا

dr_jehadjamal1948@hotmail.com>

 

مقدمة

    الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أما بعد :

   فمما لا يخفى على أحد من الناس دور التربية في حياة الشعوب فلولاها لما استقامت حياة المجتمعات ولما كتب لها البقاء والاستمرار ، ومن هنا جاء دور التربية الأخلاقية كنوع من أنواع التربية لترسخ الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة في نفوس الناس . ونحن في هذا البحث سنحاول أن نغطي بعض الجوانب المتعلقة بالتربية الأخلاقية ، فقد قسمنا بحثنا إلى محاور هي كالتالي:

*     تمهيد

*     تعريف التربية لغة واصطلاحا

*     تعريف الأخلاق لغة واصطلاحا

*     تعريف التربية الأخلاقية

*     التربية الأخلاقية وأثرها في ارتقاء الأمم

*     الأخلاق والدين

*     أهداف التربية عند المسلمين واليهود والنصارى

*     قضايا في الأخلاق:

1. الأخلاق بين الوراثة والبيئة

2.  نموالضمير أوالأنا الأعلى

3. تدني الأخلاق في المدارس

تمهيد

     الأخلاق من أقدم العلوم التي عرفها البشر، وسلوك الأمهات في الإنسان والحيوان والطير هو سلوك أخلاقي حقيقي. بمعنى عطاء بلا مقابل ولولا ذلك لانقطعت الحياة ولم تستمر.

    والتربية الأخلاقية تسعى إلى تزويد النشء بالقيم الأخلاقية التي يريد المجتمع غرسها في أبنائه والتربية الأخلاقية تعد أحد أهم وظائف المدرسة التي تسعى إلى تحقيقها من خلال مواد الدراسة والأنشطة والمعلم.

تعريف التربية

1.     لغة :

     كلمة "تربية" يمكن أن تكون مشتقة من الفعل ربا ومضارعه يربو ومعناها نما وزاد . ويمكن أن تكون مشتقة من الفعل ربى ومضارعه يربي بمعنى نشأ وترعرع ، كما يمكن أن تكون مشتقة من الفعل رب أو ربب ومضارعه يربِّي ومعناه  أصلح الشيء."وجاء في لسان العرب لابن منظور" ربوت في بني فلان أربو نشأت فيهم " وأنشد ابن   الأعرابي :

           "فمن يك سائلا عني فإني     ***          بمكة منزلي وبها ربيت"[1]     

2.   اصطلاحا:

      هناك العديد من التعريفات التي دارت حول مفهوم التربية وسنقتصر  

     هنا على تعريفين منها .

·   "هي عملية إنماء الشخصية بصورة متوازنة ومتكاملة أي تشمل جوانب الشخصية الجسدية والاجتماعية والجمالية والروحية والأخلاقية والعقلية والوجدانية ."[2]

·   " هي عملية التكيف أوالتفاعل بين المتعلم ( الفرد ) وبيئته التي يعيش فيها . فالتربية عملية تطبيع اجتماعي وتعايش مع الثقافة التي يعيشها مجتمع معين يخضع لعقيدة معينة ويعيش تحت ظروف معينة وفي ظل نظام وحكم معين ."[3]

تعريف الأخلاق

1. لغة:

  ( الخلق ) :السجيَّة . يقال : خالص المؤمن وخالق الفاجر ، وفي الحديث : ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق ؛ والخُلُق ، بضم اللام وسكونها : هوالدين والطبع والسجية ، والجمع أخلاق .[4]

2. اصطلاحا :

يمكن تعريف الأخلاق بأنها " العلم الذي يبحث في قواعد سلوك البشر, بعضهم تجاه بعض", وهكذا فالأخلاق أمر مقصور على بني الإنسان . وقد تقودهم إلى القيام بتصرفات تخالف تلك التي تدفعهم إليها غرائزهم, على عكس الحيوانات التي تتصرف دوماً حسب غرائزها حتى إذا بدت لنا تصرفاتها ذات هدف خيري أوإيجابي أو أخلاقي  بالمقياس البشري. والمبادئ الأخلاقية يمكن اعتبارها أمهات لكثير من القواعد القانونية وخاصة في مجال القانون الدولي الإنساني, ومن ذلك مثلا عدم الاعتداء, إعطاء الأمان لمن يطلبه, احترام الوعد, منع النهب, منع الاغتصاب.. الخ.

التربية الأخلاقية

  التربية الأخلاقية هي المقياس الصادق الذي تقاس به خطواتُ الشعوب، ونهضات الأمم. بل هي الأساس المتين الذي تبنى عليه عظمة الأمم وارتقاؤها؛ فما ارتقت أمة في العالم القديم أوالحديث إلا وكان سببُ ذلك سموأخلاقِ أفرادها، وقناعتَهم، واقتصادَهم، وحبَّهم الناسَ محبتَهم أنفسَهم، وإخلاصَهم في العمل لوطنهم، وانتشار روح النشاط والإقدام بينهم، وبعدهم من الفخر والرياء، والدسائس والفتن، ونفورهم من الانقسام والمخاصمة.

 قال لوثر: ليست سعادة الدول بوفرة إيرادها، ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، وإنما سعادتها بكثرة المهذبين من أبنائها، وعلى مقدار الرجال ذوي التربية والأخلاق فيها.

 وما انحطت أمة، ولا أفل نجم مجدها، ولا زال سلطانها إلا بزوال تلك الأخلاق الفاضلة من نفوس أبنائها، وانغماسهم في الشر والفساد.

والأدلة على ذلك كثيرة؛ انظر إلى الدولة الرومانية القديمة التي أخضعت العالم القديم، وامتدت شوكتها إلى غالب ممالكه - ترَ أن الأخلاق الكريمة كانت سبب رفعتها، وأن الترف والفساد كانا سبب انحطاطها."[5]

التربية الأخلاقية وأثرها في ارتقاء الأمم:

   نحن نلاحظ دائما أن ارتقاء الأمم سواء في العالم القديم أم الحديث يرتبط بسموأخلاق أفرادها وقناعتهم واقتصادهم وحبهم الناس محبتهم أنفسهم، وكذلك بإخلاص أفراد الأمة في أعمالهم، وانتشار العادات الحسنة بينهم، وفي الوقت ذاته بعدهم عن العادات السيئة التي تؤدي إلى الانحطاط.

ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن التربية الأخلاقية هي المقياس الصادق الذي تقاس به خطوات الشعوب ونهضات الأمم.

قال لوثر: "ليست سعادة الدول بوفرة إيرادها ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، وإنما سعادتها بكثرة المهذبين من أبنائها، وعلى مقدار الرجال ذوي التربية والأخلاق فيها".

فما انحطت أمة من الأمم، ولا أفل نجمها، ولا زال سلطانها إلا بزوال تلك الأخلاق الفاضلة من نفوس أبنائها وانغماسهم في الشر والفساد.

والأدلة على ذلك كثيرة، فانظر إلى الدولة الرومانية القديمة التي أخضعت العالم القديم لسلطانها، تر أن الأخلاق الكريمة كانت وراء رفعتها وقوتها، وأن الأخلاق الرذيلة أدت إلى انحطاطها.

وانظر إلى الدول العربية بعد ظهور الإسلام الذي أدى إلى انتشار الأخلاق الفاضلة ببلاد المشرق والأندلس، تجد أنها قد بلغت أوج ما تصبوإليه نفوس الشعوب من تقدم وازدهار، حتى أصبحت جنة الله في أرضه، وزينه الحياة الدنيا، وانتشرت فيها العلوم، وأصبحت مقصدا لطلاب العلم والمعرفة، وهكذا امتدت فترة الزهوفيها حقبة حتى دب دبيب الفساد الأخلاقي في نفوس أهلها، وسقط مترفوها إلى الحضيض، فحقت كلمة المولى جل جلاله [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً][6]

حقا إن أمراض النفوس لأشد فتكا بالشعوب، وأسرع إبادة بالأمم، فلابد من أخلاق كريمة ترافق رقيها حتى تحيى بها الأمة وتسموإلى القمم.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ :"تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم".

وقال العالم الأخلاقي صمويل سليمز:"إن العلم يجب اقترانه بالخير، فرب عالم أقل من جاهل أمانة وفضيلة وأخلاقا وعملا بالواجب". كما  أكد جورج هربرت الشاعر الإنجليزي بأن" الحياة الصالحة خير من كثير من المعرفة والعلم". من هذه الأقوال نستخلص أن العلم لا يغني عن الأخلاق، فلا بد من اقترانهما معا حتى تصل الأمة إلى ما تصبوإليه من طموحات.

الأخلاق والدين:

الخلُق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال الاختيارية من حسنة وسيئة ، وهي قابلة بطبعها لتأثير التربية الحسنة والسيئة فيها ، فإن روضت النفس على حب الجميل وترك القبيح فأصدرت الأفعال الجميلة بدون تكلف قيل : خلُق حسن ، وإن أهملت فلم تهذب التهذيب اللائق ، وصارت الرذائل والنقائص تصدر عنها قيل : خلُق سيئ.

وفي هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له : يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال : " هي في النار" ثم قال : يا رسول الله ، فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط – أي بالقطع من الجبن- ولا تؤذي جيرانها. قال : "هي في الجنة"[7].

في هذه الإجابة تقدير لقيمة الخلُق العالي ، وفيها كذلك تنويه بأن الصدقة عبادة اجتماعية يتعدى نفعها إلى الغير ولذلك لم يفترض التقلل منها كما افترض التقلل من الصلاة والصيام ، وهي عبادات شخصية في ظاهرها.

إن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لم يكتف بإجابة على سؤال عارض ، في الإبانة عن ارتباط الخلُق بالإيمان الحق وارتباطه بالعبادة الصحيحة ، وجعله أساس الصلاح في الدنيا والنجاة في الأخرى.

إن أمر الخلُق أهم من ذلك ، ولابد من إرشاد متصل ونصائح متتابعة ليرسخ في الأفئدة والأفكار أن الإيمان والصلاح والأخلاق عناصر متلازمة متماسكة لا يستطيع أحد تمزيق عراها.

لقد سأل الرسولُ الكريم أصحابَه يوما "أتدرون من المفلس؟" قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ن وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار"[8].

    ذلك هوالمفلس، إنه كتاجر يملك في محله بضائع بألف، وعليه ديون قدرها ألفان ، كيف يعد هذا المسكين غنيًا؟؟

والمتدين الذي يباشر بعض العبادات ، ويبقى بعدها بادي الشر ، كالح الوجه ، قريب العدوان ، كيف يحسب امرءًا تقيًا؟؟

     وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لهذه الحالات مثلاً قريبًا ، قال : "الخلًق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد ، والخلًق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل"[9].

    فإذا نمت الرذائل في النفس وفشا ضررها وتفاقم خطرها انسلخ المرء من دينه كما ينسلخ العريان من ثيابه ، وأصبح ادعاؤه للإيمان زورًا ، فما قيمة دين بلا خلًق؟؟ وما معنى الإفساد مع الانتساب لله.

    وتقريرًا لهذه المبادئ الواضحة في صلة الإيمان بالخلق القويم ، يقول النبي الكريم : "ثلاث من كن فيه فهومنافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان"[10].

فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها بل هي أصول الحياة يرتضيها الدين ويحترم ذويها[11].

أهداف التربية: (عند المسلمين):

إن التربية تسعى سعياً حثيثاً لتطوير الإنسان وللحفاظ على مكانته السامية من بين المخلوقات ، ولن يتأتى لها ذلك إلا بتحديد غاياتها وأهدافها تحديداً مبنياً على أصول علمية منبثقة من فلسفة المجتمع الإنساني .

أولاً: أهداف التربية عند المسلمين :

إن الهدف الشامل لمنهج التربية في النصور الإسلامي هو: إيصال الإنسان إلى درجة الكمال التي هيأه الله لها ، حتى يكون قادراً على القيام بحق الخلافة في الأرض عن طريق الإسهام بإيجابية وفاعلية في عمارتها  وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله[12].

وبناءً على ذلك فقدت حددت التربية الإسلامية أهدافها وغاياتها الثانوية لتحقيق الهدف الرئيسي الشامل. وقد حاولنا في هذا البحث دمج مجموعة من الأهداف من مصادر عدة  وأوجزناها في عدة نقاط، وهي:

1ـ تعريف الإنسان بخالقه وترسيخ عقيدة الإيمان في قلبه ، ليدرك مفهوم الدين والعبادة والعمل بمقتضاهما ، وهوإن فعل ذلك سيستقيم فكره ، ويصلح ضميره ، وتنتظم حياته ؛ لأن الإنسان بحاجة إلى الروح قبل حاجته إلى المادة ، وهومع ذلك وخلال مشوار حياته سيدرك حقيقة الكون غيبه وشهوده وحقيقة الحياة الدنيا والآخرة ، وسيدرك الهدف الأسمى من وراء خلقه في هذه الحياة .

2ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الهدف هوصفة أمة الإسلام ، وهوفي ذات الوقت وظيفة هذه الأمة وسبيلها إلى تحقيق الرفعة والإخاء ، " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"[13].

3ـ استعادة تميز الأمة والعمل على تحقيق وحدتها: وتميزها يكون في عقيدتها، وفي منهجها، وفي اتجاهها، وهذا التميز يتحقق بالسير على المنهج الإسلامي الصحيح ، وإذا ما وصلت الأمة إلى التميز المنشود فمن الطبيعي أن يتميز كل من ينتمي إلى هذه الأمة من بين سائر البشر .

أما الوحدة فهي سمة بارزة في دين هذه الأمة ، ذلك أنها تدين بعقيدة واحدة ، وربها واحد ، ونهجها واحد ، وسنة كونها واحدة ، قال تعالى : "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"[14].

4- الاهتمام باللغة العربية: لأنها لغة مقدسة نزل بها دستور أمتنا الخالد ، ولكن وضع اللغة العربية في أقطار العالم العربي مؤسف إلى حد الإبكاء[15] ، فهناك من يحيد عنها إلى لغات أجنبية أخرى ، وهناك من يخلطها مع المصطلحات الأجنبية التي لها ترجمة في اللغة العربية ، ولكن حب لغات الأعداء والافتخار بها جعله يفعل ذلك.

5- الحرص على النموالعقلي والجسمي والاجتماعي ونموسائر الأنماط المختلفة لدى الطالب : فإذا ما نمت هذه الأنماط المختلفة لدى الطالب فإنه يكون حينئذٍ قادرًا على توجيهها إلى ما يعود عليه وعلى أمته بالخير والصلاح ، ويجب عليه حينها أن يوجهها في ما يرضي الله تعالى لا فيما يسخطه لأنه هوالمتفضل عليه.

6- اعتماد العلم والمعرفة من أجل تنمية معارف الإنسان ومهاراته واتجاهاته: يقول الله تعالى "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوعليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"[16].

7- التركيز على مبدأ (العلم للعمل): ونبذ كل النظريات والمعلومات التي لا تسمن ولا تغني من جوع "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"[17].

8- التأكيد على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن المستقيم "وإنك لعلى خلق عظيم"[18].

هذه كانت بعض الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية لتحقيقها للوصول بالإنسان إلى مرتبة الكمال التي هيأه الله لها .

الأخلاق بين الوراثة والبيئة

إن هذه القضية من القضايا التي اختلفت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض لأحد الجانبين: وراثية الأخلاق واكتسابها ولم يصل هذا الخلاف إلى فيصل يجزم بمصداقية أحدهما، إلا أن واقع الحال يبين أن الأخلاق عملية مكتسبة أكثر منها موروثة، فهي لا تنتقل من الآباء إلى الأبناء كما تنتقل الصفات الجسمية، فالطفل يولد على الفطرة وغالبا ما تكون هذه الفطرة ميالة إلى الخير، وإن كان يبدوأن الجانبين موجودان معاً، حسبما ذكر الله جل جلاله: (ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها)[19]

 ومن هنا فإن الوسط الخارجي الذي يعيش فيه الطفل له دور كبير في التأثير على سلوكه،  إذ يندر لطفل ينشأ في وسط تربوي سيء أن يبقى ذا أخلاق حسنة، كذلك يندر أن يغدوذا أخلاق ذميمة إذا نشأ في جوتربوي طيب يعبق بمكارم الأخلاق.

ومع ذلك لا يمكن أن ينكر دور العوامل البيولوجية تماماً، إذ يمكن أن تورث

استعداداً لأن يكون الفرد على خلق معين لتأتي التربية فتنميه أوتنحيه، وهذا يعني أن الأخلاق لا تُورث، بل تُورث تركيبة عصبية فيزيولوجية معينة قابلة  للمطاوعة والتأثر إيجاباً وسلباً.

نموالضمير أوالأنا الأعلى:

تمثل عملية نموالضمير عند الأطفال قضية تربوية لما لها من تأثير في سلوك الأطفال وأخلاقياتهم في المستقبل، حيث تبدأ مؤشرات ظهور الضمير لدى الطفل في نهاية السنة الثانية، وذلك عندما يبدأ الطفل باستخدام الأوامر والنواهي الصادرة من الوالدين على سلوكياته، حيث يبدأ الطفل شيئا فشيئا بإدراك السلوكيات المرغوبة ويحرص على ممارستها وفي الجانب الآخر يعي السلوكيات غير المرغوبة ويجتهد في الابتعاد عنها، فيحرص الطفل أن يكون عطوفا مع من حوله، كما أنه لا يحب أن يكون عدوانيا مع الآخرين.

ومن هنا فإن نموالضمير أوالأنا الأعلى يعتمد على المعايير الأخلاقية للوالدين وعلى طبيعة العلاقة بين الطفل ووالديه، فالولدان اللذان يمتلكان معايير أخلاقية ناضجة وغير متطرفة يسهمان بشكل كبير في نموأنا أعلى ناضج وغير متطرف للطفل، فالطفل في هذه المرحلة ليس بالضرورة أن يعرف لماذا هذا السلوك صحيح وذاك خطأ وإنما يطبق ما يوجه إليه، وهذا لا يكفي إذ لابد من أن يتاح للطفل الفرصة للتطبيق حتى تصبح هذه المعايير الموجه إليها عادة لديه مكونة لمحتوى ضميره، وقد يحدث نموضمير غير ناضج للطفل إذا كان سلوك الوالدين متطرف وغير سوي.

   إن نموالأنا الأعلى نمواً سليماً لا يتحقق إن لم تتوافر للطفل الفرص المناسبة لتطبيق المعايير بشكل فعلي؛ إذ لا يكفي أن يقال له فقط أن يسلك كذا أولا يسلك كذا، بل لا بد أن تتاح له الفرصة للتدرب على تطبيق هذه المعايير ليصار إلى ممارستها فيما بعد بشكل تلقائي يأخذ صفة العادة أوأسلوب الحياة.

تدني الأخلاق في المدارس- أم المشاكل في التربية

  لقد تدهورت الأحوال الأخلاقية في المدارس، واستفحل أمر تدهورها حتى أصبحت قضية من القضايا الخطيرة التي تسعى المدرسة الآن في إيجاد حلول لها، وذلك للتقليل من نسبة انتشارها، وقد استفحلت هذه القضية لأسباب عديدة، وكل هذه الأسباب تدور حول الأسرة والمدرسة، فالأسرة منعزلة عن المدرسة عديمة الاهتمام بمتابعة الطالب في المدرسة، وإنما يكون اهتمامها الوحيد بمتابعة الطالب – وإن فعلت ذلك – مع المدرسين الخصوصيين، وذلك حفاظا منها على النقود التي تدفعها حتى لا تذهب هباء منثورا، ونسوا أوتناسوا دور المدرسة في تربية الأبناء، فوصلت درجة الإهمال إلى أن الطالب يحضر أحد جيرانه ليمثل دور ولي الأمر أمام المدرسة عندما تطلب المدرسة منه ذلك، وذلك بسبب انقطاع الأسرة عن المدرسة انقطاعا تاما.

أما من جانب المدرسة فقد شغلت الأخرى نفسها بجوانب أخرى غير تربية الأبناء، فالمدرسون في حالة انشغال دائم بالترويج لأنفسهم لأخذ الدروس الخصوصية، فيعملون ليل نهار حتى تنهك أجسادهم، فيحضرون إلى المدرسة بجسد منهك مع غياب تام للعقل والقلب والضمير، وأما إدارة المدرسة فإنها تؤثر عدم التصادم مع أولياء الأمور في حالة ارتكاب أبنائهم لأخطاء أخلاقية داخل المدرسة، خوفا من تسلط ولي الأمر عليها إذا كان ذا سلطة ونفوذ.

وهناك سبب آخر وهوعدم ثقة ولي الأمر بالمدرسة عند عقاب الأبناء، فبعض الآباء لا يتقبل عقاب أبنائهم إيمانا بأن أولادهم لا يخطئون.

وإذا أردنا أن نعيد للمدرسة هيبتها ونعيد الثقة المتبادلة بين الأسرة والمدرسة، فيجب أن يكون هناك اتصال بينهما، وقد يصعب أحيانا الاتصال مع جميع الأسر، ولكن يجب أن يكون الاتصال على الأقل مع أسر الطلاب المشاغبين، وكذلك لا بد أن يعمل كل موظف في المدرسة بدوره على أكمل وجه، حتى تصل المدرسة إلى أهدافها.

المصادر والمراجع

1.    القرآن الكريم.

2.    الجامع الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج.

3.    مسند الإمام أحمد بن حنبل.

4.    كتاب السنن للبيهقي.

5.    الأناجيل التشريعية الأربعة للمسيحية (لوقا ، يوحنا ، مرقس ، متى).

6.    الإمام الغزالي. خلُق المسلم. دار الكتب الإسلامية. مصر. ط10. 1989م.

7.    أبوبكر جابر الجزائري. منهاج المسلم. دار الكتب السلفية. القاهرة. ط2.

8.    محمود بن الشريف. الأديان في القرآن. دار المعارف. القاهرة. ط6. 1986م.

9.    عبد الله حسن رزق. العولمة والعالم الإسلامي...أرقام وحقائق. هيئة الأعمال الفكرية. الخرطوم. 2001م.

10.      علي أحمد مدكور. مناهج التربية. دار الفكر العربي. القاهرة. 2001م.

11.      عبد الله الطنطاوي. هكذا يربي اليهود أطفالهم. 1997م.

12.      كتاب المعرفة. التعليم في إسرائيل ديني أم علماني. السعودية. 1417هـ.

13.      جريدة الشرق الأوسط. 25/7/1417هـ.

14.      لسان العرب . ابن منظور . دار صادر. بيروت .لبنان .ط4

15.      أسس التربية . إبراهيم ناصر. عمّان : دار عمار . 1994م

16.      أصول التربية .إبراهيم عصمت مطاوع. ط7 .القاهرة:دار المعارف .1994

17.      مجلة جمعية مكارم الأخلاق، العدد الأول ص10- 14، رجب 1343هـ.


 

[1] ابن منظور . لسان العرب .ج6 .صـ93

[2] مطاوع .إبراهيم عصمت . أصول التربية . ط7 . صـ65-70 .

[3] إبراهيم ناصر . أسس التربية . عمّان . صـ17

[4] ابن منظور . لسان العرب .ج5 .صـ140

[5] مجلة جمعية مكارم الأخلاق . العدد الأول .صـ10-14

[6] الإسراء .الآية (16)

[7] أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.

[8] . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

[9] . رواه البيهقي.

[10] . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

[11] . الإمام الغزالي. خلق المسلم. ص11.

[12] . مدكور. مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها . ص136 .

[13] . آل عمران : 110.

[14] . الأنبياء : 92 .

[15] . مدكور. مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها . ص176 .

[16] . البقرة : 129 .

[17] . التوبة : 105 .

[18] . القلم : 4 .

[19] السمس : 7- 10

 

* * * * **

 

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان